فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 610

فرق الشخص بين الأشياء، سواء طاعة ومعصية، أو عدل وظلم، أو صدق وكذب، أو نافع وضار، أو واجب ومحرم، أو حسن وقبيح، أو غير ذلك، لم يكن موحدًا ولا محققًا لشهود كمال توحيد الربوبية الذي يسمونه الفناء.

وقد اتفق الأشاعرة وغلاة الصوفية على أن الأشياء في ذاتها لا فرق بينها، بل هي سواء.

والفرق بين الأشاعرة وغلاة الصوفية في هذا المقام، أن الأشاعرة جعلوا الشرع مفرقًا بين الأشياء التي هي عندهم متساوية في ذاتها، فجعلوا التمييز بين حسن الصدق وقبح الكذب مرده إلى الشرع فقط وإن كانا متساويين في نفس الأمر.

أما غلاة الصوفية فوقفوا عند الحقيقة الكونية، وأعرضوا عن الشرع، فسووا بين الأشياء في ذاتها وفي حكمها، ولم يفرقوا بينها لا في ذاتها ولا من جهة الشرع، ويرون أن كمال المعرفة والتوحيد في عدم التمييز، فلا فرق عندهم بين الصدق والكذب، ولا بين الطاعة والمعصية، لا من حيث ذاتها ولا من ناحية الشرع؛ لأنهم معرضون عن الأمر والنهي.

والحق أن هؤلاء الذين يقفون عند الحقيقة الكونية وينظرون إلى القدر فقط ويعرضون عن الشرع، ولا يميزون بين الأشياء في ذاتها، هؤلاء مخالفون بالضرورة للعقل والقياس والحس والذوق والشرع، وقولهم من أبطل الباطل [1] .

فكل أحد يفرق بذوقه بين ما يلتذ به مما يؤكل ويشرب وما لا يلتذ به، ويفرق

(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 8/ 106، 310 - 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت