فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 253

والنتائج التي يحققها علم الطب التطبيقي والبيولوجي للبشرية جمعاء، إلا أن هذا الفهم لعلم الطب لا يعد فهما شاملا.

وفي الحقيقة، فإنه لا يمكن فهم علم الطب بوصفه أحد العلوم الطبيعية، والنظر إلى طبيعته التكنولوجية فحسب، فمن خلال النظر إلى الطبيعة الخيرة والمضامين الثرية التي يجب أن يحتوي عليها علم الطب، فإنه يجب أن ينظر إليه على أنه علم الإنسان. فالطبيعة الإنسانية والأخلاقية هي الأساس الحقيقى لعلم الطب، وهي أيضا السمات الجوهرية الداخلية والثابتة لعلم الطب. وحيث تظهر الصفات الأساسية لعلم الطب فقط من خلال التطبيق والاستقصاء الفلسفي والنقد، فلابد وأن ينظر في الحكم على علم الطب، إلى الحقائق التي تسعى إلى"الحقيقة"، والقيم التي تؤكد على"الخير"؛ وذلك حتى يمكن تجنب الانقسام بين الطبيعة العلمية والإنسانية لعلم الطب، وتجنب الأزمات الطبية الشرعية، التي تتسم بالسطحية والقسوة والمادية، والتي تهتم بالأشياء دون الإنسان. فإذا انفصلت التكنولوجيا الطبية وخاصة تكنولوجيا الطب العالية والجديدة، مثل زراعة الأعضاء والتكنولوجيا التناسلية وتكنولوجيا الجينات، وغيرها من أنواع التكنولوجيا الطبية الحديثة، نقول إذا انفصل هذا كله عن الطبيعة الثقافية لعلم الطب، وعن الجانب المعنوي والملامح الإنسانية لعلم الطب، فإن ذلك سيتحول حتما إلى أنظمة لا إنسانية ونفعية؛ مما سيؤدي بالضرورة إلى ظهور الكثير من القضايا والتناقضات والأزمات التي ستنتشر في واقعنا المعيش، بما في ذلك تكاليف العلاج العالية التي لا يطيقها جموع المرضى، وظهور الشك في وجود العدالة في مجال الطب، وزيادة حدة التناقض في العلاقة بين الأطباء والمرضى، وغيرها من القضايا والأزمات. فإذا كان كانط قد قال مقولته حول"الإنسان غاية في حد ذاته"، فإنه على الجانب الآخر يمكن القول إن الإنسان ليس أداة. وعلى علم الطب والمضطلعين بمسئولية الطب أن يحفظوا هذا القول جيدا: أن الطب إنما هو لخدمة الإنسان، وجعله يتمتع بحياة سعيدة وصحية، وأن المريض ليس أداة من وجهة نظر علم الطب، وإنما هو الغاية المرجوة لعلم الطب.

وبالطبع فإن البشر كانوا قد انتبهوا إلى تحول الطبيعة الجوهرية لعلم الطب خلال مراحله

التطبيقية. فقديما خلال القرن التاسع عشر الميلادي، ظهرت في أوربا حركة"معاملة المريض"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت