فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 253

تمجيد الحياة:

يعتبر تقديس الإنسان للحياة التي يحياها بمثابة جوهر أخلاقيات الحياة، فهي نقطة البداية والنهاية في منطق الحضارات الإنسانية المختلفة، وهي أيضا خير تعبير عن مغزى الثقافة الإنسانية. وعليه فإن تمجيد الحياة يجب أن يكون المفهوم الرئيسي لأصحاب الحضارة والأخلاق. أما الطبيب الذي تقوم رسالته على"إنقاذ حياة البشر"، و"الحفاظ على حياة البشر"، و"إنقاذ البشر من الموت وتضميد جراجهم، فإنه من الطبيعي أن يكون إنسان رحيم محب للحياة، وأن يؤثر في الآخرين، من خلال تقديسه للحياة، وحفاظه عليها، وجميع ما يتعلق بعلاقته بالحياة."

ويذكر السيد ألبرت شفايتزر، الناشط الخيري والحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 1952، في كتابه"فلسفة الحضارة":"أن جوهر الخير يتمثل في المحافظة على الحياة، ودفعها للأمام، والعمل على دعم الحيوات القابلة للتطور، لأن تحقق قيمها الأسمى، أما جوهر الشر فيتثمل في تدمير الحياة، وإلحاق الأضرار بها، وإعاقة عملية تطورها. وهذا مبدأ أخلاقي لا جدال فيه، فيجب على الإنسان أن"يقدس حياته وحياة الآخرين". هذا ولن يبلغ الإنسان مبلغه من الرقى الأخلاقي إلا عندما يتمكن من تقديس حياته وحياة المحيطين به، بل ومساعدة جميع الحيوات التي بحاجة للتطور، فهناك علاقة متداخلة بين جميع الحيوات فكل حياة تعتمد على حياة أخرى، وكل حياة لها قيمتها الخاصة، وسمو الحياة لا يسمح لنا حسب وجهات نظرنا الذاتية إلى حياة سامية وأخرى متدنية، وحياة غالية وأخرى رخيصة، ولا يسمح لنا بالتقليل من"

شأنها، والأهم من ذلك كله لا يسمح لها بوأدها والقضاء عليها.

ولا شك أن تمجيد الحياة مسئولية وواجب كبير، وهي تتميز بالحرية، مثلها في ذلك مثل المحبة، وأنها تظهر في حياتنا في شكل تصنيف مطلق حسب نظرية كانط، فتمجيد الحياة ليس سلوگا خارجيا، وإنما مطلب أخلاقى داخلى، وهي تعبير عن المضامين المتقدمة التي تحتويها الطبيعة الإنسانية، والتي تعظم من مغزى الوجود الإنساني، فبقاء الإنسان ليس مرتبطا بذاته فحسب، وإنما وجوده مرتبط بوجود الكثير من الحيوات الأخرى.

فتمجيد الحياة يتطلب الإحساس بالحياة وتجربتها والتعاطف معها. وبالطبع فإن تجربة والتعاطف مع الحيوات الأخرى، له تأثير واضح بالنسبة للإنسان. وهذه بلا شك مرحلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت