دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِى؟ قَالَ:"انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامَتَشِطِى، وَأَمْسِكِى عَنِ العُمْرَةِ، وَأَهِلِّى بِالحَجِّ". قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَيْتُ حَجَّتِى أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِى، فَأَعْمَرَنِى مِنَ التَّنْعِيمِ، مَكَانَ عُمْرَتِى الَّتِى أَمْسَكْتُ عَنْهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إحرامهم بالعمرة المفردة، فيكون ذلك إردافًا، وقد قال أبو حنيفة: المعتمر في أشهر الحج المريد للحج إذا كان معه هدى فلا يحل من عمرته، ويبقى على إحرامه حتى يحج، تعلقًا بظاهر هذا الحديث، وقد قلنا: [إنه] [1] يحتمل أن يكون أمرهم بذلك عند عقد الإحرام، فلا يكون له فيه حجة، وتعلق - أيضًا - بإخباره - عليه السلام - أن المانع له من الإحلال سوق الهدى، واعتذر بذلك لأصحابه لما أمرهم بالإحلال وهذا لا يسلم [له] [2] ؛ لأن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن معتمرًا، وقد أخبرت عائشة أن الذين أهلوا بالعمرة طافوا وسعوا وحلوا، ولم يفرق بين من كان معه هدى أو لم يكن.
قال القاضى: الذى يدل عليه المنصوص في صحيح البخارى ومسلم وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما، أن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما قال لهم هذا [القول] [3] بعد إحرامهم بالحج ومنتهى سفرهم، ودنوهم من مكة بسرِف على ما جاء في حديث عائشة، وبعد طوافه بالبيت وسعيه على ما جاء في حديث جابر، ويحتمل تكراره الأمر بذلك بالموضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا، على ما تذكره بعد خبر أمرهم بفسخ الحج في العمرة، ومخالفة الجاهلية بإنكار الاعتمار في أشهر الحج، ولما امتنع من معه هدى الإحلال حتى يبلغ الهدى محله، ولم يمكنه فسخ حجه بعمرة أمره - عليه السلام - بالاعتمار، وإدخاله على الحج، فيكون قرانًا، ويكون معنى"يهل بالحج مع العمرة": أى يُضيف إلى حجه عمرة ويَجمعَهُما، وكان هذا - والله أعلم بمراد نبيه - للضرورة، إذ لم يمكنهم الفسخ حتى يكون جميعهم معتمرًا، كما كان الفسخ لهم خاصة، للعلة المذكورة قبله، وبهذا يتأول قران من قرن ورواية من روى أن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرن ليكون معتمرًا كما اعتمروا، ويكون هذا بما روى عنه وعنهم بالتلبية بهما جميعًا، لا أن ذلك كان أول الإحرام، ويدل على أنهم كانوا مفردين أولًا قوله - عليه السلام:"من لم يكن معه هدى فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل"، ولو كانوا قارنين لقال: فليجعلهما عمرةً، أو فليتحلل بعمرته.
قال الإمام: [وقولها] [4] :"وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا": فيه حجة على أبى حنيفة في قوله:"إن القارن لا يطوف طوافًا واحدًا"، وقد
(1) فى هامش س.
(2) من س.
(3) ساقطة من س.
(4) فى هامش س.