ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإنى رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل كما رأيتمونى فعلت" [1] ."
وقد قال بعض شيوخنا: لعل النهى منصرف لمن أتى أصحابه بماء ورده [2] ليشربه قائمًا قبلهم، استبدادًا به، وخروجًا عن الأحسن من كون ساقى القوم آخرهم شربًا، وأيضًا فإن في حديث أبى هريرة:"ومن شرب [3] فليستقئ".
ولا خلاف من أهل العلم أن من يشرب قائمًا ناسيًا فليس عليه أن يستقئ. قال بعض الشيوخ: والأظهر أن هذا موقوف على أبى هريرة، ولا خلاف في جواز الأكل قائمًا وإن كان قتادة قال:"فقلنا: فالأكل، قال: ذلك أشر وأخبث"، لكن حكى بعض شيوخنا أنه لا خلاف في جواز الأكل، والذى يظهر لى أن الأحاديث الواردة بشربه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائمًا تدل على الإباحة والجواز، إن قلنا بتعدى أفعاله، ويحمل حديث النهى على جهة الاستحسان والحث على ما هو أولى وأجل، أن يكون لأن في الشرب قائمًا ضررًا ما، فكره من أجله وفعله - عليه السلام - لأمته منه. وعلى هذا التأويل يكون قوله محمله على أن ذلك حرك منه خلطًا يكون السقاء [4] منه في فيه [5] ، وقد قال النخعى فى [النهى عن] [6] ذلك: إنما ذلك لداء في البطن، هذا نحو ما قلناه. هذا الأظهر عندى إن كان لا بد من بناء الحديثين.
قال القاضى: لم يدخل مالك في موطئه، ولا البخارى في صحيحه أحاديث النهى عن الشرب قائمًا، فأدخلا إباحة ذلك من الأحاديث والآثار؛ إذ لم يصح عندهم النهى عن ذلك - والله أعلم.
وذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث: حديث قتادة عن أنس وهو معنعن، وكان شعبة يتقى من حديث قتادة من لا يقول فيه: حدثنا، وحديث قتادة - أيضًا - عن أبى عيسى الأسوارى عن أبى سعيد مثله، وأبو عيسى - أيضًا - هو غير مشهور واضطراب قتادة في سند هذا الحديث مما يعلله في مخالفة الأحاديث الأخر وأئمة الصحابة والخلفاء والتابعين. وحديث عمر بن حمزة لا يحتمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره عن أبى غطفان عن أبى هريرة، قالوا: وعمر بن حمزة لا يتحمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف على أبى هريرة.
وشرب النبى - عليه السلام - وهو قائم لا يقال فيه: ترك ما هو الأولى لعلة إنما كان في الحج - والله أعلم. على ما جاء في كتاب الحج. وحاله حينئذ من ألا يخفى في أعمال
(1) البخارى، ك الأشربة، ب الشرب قائمًا 7/ 143، أبو داود، ك الأشربة، ب في الشرب قائمًا 2/ 302، الترمذى، ك الأشربة، ب ما جاء في الرخصة في الشرب قائمًا 4/ 301.
(2) فى ح: وبادر.
(3) فى ح والمطبوعة رقم (116) : نسى.
(4) فى ح: الشفاء.
(5) فى ح: قيئه.
(6) سقط من الأصل، والمثبت من ح.