فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 5028

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ما الذى يُسْتَعْملُ منهُما؟ والمسْتَعملُ منهما ما مقتضاه [من العموم] [1] ؟ فأخذ [أحمد] [2] ابن حنبل بقوله:"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَبٍ"، وأخذ الجمهور بقوله:"إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهَرَ"، وهذا الحديث خاصٌ والعَامُّ يُردُّ إلى الخاص، ويكون الخاص بيانًا له، وقال بعض هؤلاء: الحديث خرَج على سببٍ وهو شاة ميمونة - رضى الله عنها - والعموم إذا خرج على سبَبٍ قُصِرَ عليه عند بعض أهل الأصول [3] وألحق بهذا السبب البقرةُ والبعير وشبه ذلك، للاتفاق على أن حكم ذلك حكم الشاة، وقال بعضُهم: بل يتعدَّى ويَعُمُّ بحكم مقتضى اللفظ، ويجب حمله على العموم في كل شىء حتى الخنزير، وقال بعضهم: فإن العموم يخصُ بالعادة، ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت فيدبغوا جلودها. قال بعضهم: ولا الكلبُ أيضًا لم يكن من عادتهم استعمال جلده، وقال بعضهم: بل يخُصُّ هذا العموم بقوله:"دباغ الأديم ذكاتُه" [4] ، فأحل الذكاة محل

= دليلٌ؛ لأن العموم به يتضمَّنُ دفع ضررٍ مظنون، فكان العمل به واجبًا، فكان دليلًا. قال: وإذا ثبت ذلك وجب تقديمه على العموم؛ لأن تقديم العموم عليه يُفضى إلى إلغائه بالكلية، أما تقديمه على العموم فلا يُفضى إلى إلغائِه بالكلية، فكان ذلك أولى.

قال: وقد أجمعت الصحابة على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبينوه بخمس صور.

إحداها: أنَّهم خصصوا قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] ، بما رواه الصديق أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"نحن معاشر الأنبياء لا نورث"متفق عليه.

ثانيها: خصَّصوا عموم قوله تعالى: {فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] بخبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل للجدة السدس، فلو خلفت المتوفاة زوجًا وبنتين وجدة، كان للزوج الربع (ثلاثة) وللبنتين الثلثان (ثمانية) ، وللجدة السدس (اثنان) عالت المسألة إلى ثلاثة عشر، وثمانية من ثلاثة عشر أقل من ثلثى التركة.

ثالثها: خصَّصوا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع} [البقرة: 275] بخبر الشيخين عن أبى سعيد في المنع من بيع الدرهم بالدرهمين.

رابعها: خصصوا قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين} [التوبة: 5] بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس:"سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب".

خامسها: خصَّصوا قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} [النساء: 24] بخبر أبو هريرة الذى أخرجه الأربعة: نهى النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.

وقد ذهب قوم آخرون إلى منع ذلك، وتوقف القاضى أبو بكر في تلك المسألة. انظر: المحصول 1/ 3/ 131.

(1) سقط من الأصل.

(2) ليست في المعلم.

(3) لأن الحجة عندهم على ذلك في المحكى لا في الحكاية، ومع الاحتمال لا يجوز القطع بالعموم. المحصول 1/ 2/ 642.

(4) الحديث أخرجه النسائى من ثلاثة طرق بنحوه:

الأول: من حديث سلمة بن المُحبق ولفظه: أن نبى الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك دعا بماء من عند امرأةٍ، قالت: ما عندى إِلا في قِرْبَةٍ لى ميْتةٍ، قال:"أليس قد دَبَغْتِهَا؟"قالتْ: بلى. قال:"فإنَّ دباغَها ذكاتُها". =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت