رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وَلِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ بَابَ مَا جَاءَ أَنَّ دِينَ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} فَجَمَعَ فِي الْمِلَلِ الْأَرْبَعِ: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} وَذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ. وَخَصَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ الْإِيمَانُ الْخَاصُّ الشَّرْعِيُّ الَّذِي قَالَ فِيهِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} وَالشِّرْعَةُ هِيَ الشَّرِيعَةُ وَالْمِنْهَاجُ هُوَ الطَّرِيقَةُ وَالدِّينُ الْجَامِعُ هُوَ الْحَقِيقَةُ الدِّينِيَّةُ وَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ الْحَقِيقَةُ الْكَوْنِيَّةُ فَالْحَقِيقَةُ الْمَقْصُودَةُ الدِّينِيَّةُ الْمَوْجُودَةُ الْكَوْنِيَّةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. فَأَمَّا الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ الْإِسْلَامِيَّانِ فَهُوَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وَبِهَا أُنْزِلَتْ السُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ؛ إذْ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ شُرِّعَتْ الشَّرَائِعُ وَسُنَّتْ السُّنَنُ وَنَزَلَتْ الْأَحْكَامُ وَالْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ. فَهَذَا التَّوْحِيدُ: هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ وَإِلَيْهِ تُشِيرُ مَشَايِخُ الطَّرِيقَةِ وَعُلَمَاءُ الدِّينِ لَكِنَّ بَعْضَ ذَوِي الْأَحْوَالِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ فِي حَالِ الْفَنَاءِ الْقَاصِرِ سُكْرٌ وَغَيْبَةٌ عَنْ السَّوِيِّ وَالسُّكْرِ وُجِدَ بِلَا تَمْيِيزٍ. فَقَدْ يَقُولُ فِي تِلْكَ الْحَالِ: سُبْحَانِي أَوْ مَا فِي الْجُبَّةِ إلَّا اللَّهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تُؤْثَرُ عَنْ أَبِي يَزِيدَ البسطامي أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصِحَّاءِ وَكَلِمَاتُ السَّكْرَانِ تُطْوَى وَلَا تُرْوَى وَلَا تُؤَدَّى؛ إذَا لَمْ يَكُنْ سُكْرُهُ بِسَبَبِ مَحْظُورٍ مِنْ عِبَادَةٍ أَوْ وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. فَأَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ مَحْظُورًا لَمْ يَكُنْ السَّكْرَانُ مَعْذُورًا لَا فَرْقَ فِي ذَاكَ بَيْنَ السُّكْرِ الْجُسْمَانِيِّ وَالرُّوحَانِيِّ؛ فَسُكْرُ الْأَجْسَامِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَسُكْرُ النُّفُوسِ بِالصُّوَرِ وَسُكْرُ الْأَرْوَاحِ بِالْأَصْوَاتِ. وَفِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ: غَلِطَ مَنْ غَلِطَ بِدَعْوَى الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ الْعَيْنِيِّ فِي مِثْلِ دَعْوَى النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَدَعْوَى الْغَالِيَةِ فِي عَلِيٍّ وَأَهْلِ الْبَيْتِ وَدَعْوَى قَوْمٍ مِنْ الْجُهَّالِ الْغَالِيَةِ فِي مِثْلِ الْحَلَّاجِ أَوْ الْحَاكِمِ بِمِصْرِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الِاتِّحَادُ النَّوْعِيُّ الْحُكْمِيُّ بِالِاتِّحَادِ الْعَيْنِيِّ الذَّاتِيِّ. فَالْأَوَّلُ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {يَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي فَيَقُولُ كَيْفَ أَعُودُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ أَمَا عَلِمْت أَنَّهُ مَرِضَ عَبْدِي فُلَانٌ؛ فَلَوْ عُدْته لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ. عَبْدِي جُعْت فَلَمْ تُطْعِمْنِي فَيَقُولُ رَبِّي: كَيْفَ أُطْعِمُك وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ؛ فَلَوْ أَطْعَمْته لَوَجَدْت ذَلِكَ عِنْدِي} . فَفَسَّرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ جُوعُ عَبْدِهِ وَمَحْبُوبِهِ لِقَوْلِهِ: لَوَجَدْت ذَلِكَ