وَهَؤُلَاءِ يَسْمَعُونَ مِنْ الْجِنِّ النَّاطِقِ. وَهَذَا يَقُولُهُ قَوْمٌ مِنْ الِاتِّحَادِيَّةِ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ جُهَّالٌ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الِاتِّحَادِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الْفَاجِرُ التِّلْمِسَانِيُّ وَذَوُوهُ وَبَيْنَ الِاتِّحَادِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ النَّصَارَى وَالْغَالِيَةُ.
وَقَدْ كَانَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَسَادَاتُ الْأَئِمَّةِ؛ يَرَوْنَ كُفْرَ الجهمية أَعْظَمَ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا كَانُوا يُلَوِّحُونَ تَلْوِيحًا وَقَلَّ أَنْ كَانُوا يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ ذَاتَه فِي مَكَانٍ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ فَهُمْ أَخْبَثُ وَأَكْفَرُ مِنْ أُولَئِكَ الجهمية وَلَكِنَّ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ أَعْلَمُ بِالْإِسْلَامِ وَبِحَقَائِقِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ قَدْ لَا يَفْهَمُ تَغْلِيظَهُمْ فِي ذَمِّ الْمَقَالَةِ حَتَّى يَتَدَبَّرَهَا وَيُرْزَقَ نُورَ الْهُدَى فَلَمَّا اطَّلَعَ السَّلَفُ عَلَى سِرِّ الْقَوْلِ نَفَرُوا مِنْهُ. وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: مُتَكَلِّمَةُ الجهمية لَا يَعْبُدُونَ شَيْئًا وَمُتَعَبِّدَةُ الجهمية يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ. وَذَلِكَ لِأَنَّ مُتَكَلِّمَهُمْ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ تَأَلُّهٌ وَلَا تَعَبُّدٌ فَهُوَ يَصِفُ رَبَّهُ بِصِفَاتِ الْعَدَمِ وَالْمَوَاتِ. وَأَمَّا الْمُتَعَبِّدُ فَفِي قَلْبِهِ تَأَلُّهٌ وَتَعَبُّدٌ وَالْقَلْبُ لَا يَقْصِدُ إلَّا مَوْجُودًا لَا مَعْدُومًا فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْبُدَ الْمَخْلُوقَاتِ؛ إمَّا الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَإِمَّا بَعْضُ الْمَظَاهِرِ: كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْبَشَرِ وَالْأَوْثَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَ الِاتِّحَادِيَّةِ يَجْمَعُ كُلَّ شِرْكٍ فِي الْعَالَمِ وَهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - وَإِنَّمَا يُوَحِّدُونَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. وَلِهَذَا حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّ ابْنَ سَبْعِينَ كَانَ يُرِيدُ الذَّهَابَ إلَى الْهِنْدِ وَقَالَ: إنَّ أَرْضَ الْإِسْلَامِ لَا تَسَعُهُ؛ لِأَنَّ الْهِنْدَ مُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى النَّبَاتَ وَالْحَيَوَانَ. وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ الِاتِّحَادِيَّةِ وَأَعْرَفَ نَاسًا لَهُمْ اشْتِغَالٌ بِالْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ وَقَدْ تَأَلَّهُوا عَلَى طَرِيقِ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةِ؛ فَإِذَا أَخَذُوا يَصِفُونَ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ بِالْكَلَامِ قَالُوا لَيْسَ بِكَذَا لَيْسَ بِكَذَا وَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ رَبَّ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُسْلِمُونَ لَكِنْ يَجْحَدُونَ صِفَاتِ الْخَالِقِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ. وَإِذَا صَارَ لِأَحَدِهِمْ ذَوْقٌ وَوَجْدٌ: تَأَلَّهَ وَسَلَكَ طَرِيقَ الِاتِّحَادِيَّةِ وَقَالَ: إنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودَاتُ كُلُّهَا؛ فَإِذَا قِيلَ لَهُ أَيْنَ ذَلِكَ النَّفْيُ مِنْ هَذَا الْإِثْبَاتِ؟ قَالَ: ذَلِكَ وجدي وَهَذَا ذَوْقِيٌّ. فَيُقَالُ لِهَذَا الضَّالِّ: كُلُّ ذَوْقٍ وَوَجْدٍ لَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ فَأَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا بَاطِلٌ وَإِنَّمَا الْأَذْوَاقُ وَالْمَوَاجِيدُ نَتَائِجُ الْمَعَارِفِ وَالِاعْتِقَادَاتِ فَإِنَّ عِلْمَ الْقَلْبِ وَحَالَهُ مُتَلَازِمَانِ فَعَلَى قَدْرِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ يَكُونُ الْوَجْدُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْحَالُ. وَلَوْ سَلَكَ هَؤُلَاءِ طَرِيقَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - الَّذِينَ أَمَرُوا بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَوَصَفُوهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ - وَاتَّبَعُوا طَرِيقَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ: لَسَلَكُوا طَرِيقَ الْهُدَى وَوَجَدُوا بَرْدَ الْيَقِينِ وَقُرَّةَ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الرُّسُلَ جَاءُوا بِإِثْبَاتِ مُفَصَّلٍ وَنَفْيٍ مُجْمَلٍ وَالصَّابِئَةُ الْمُعَطِّلَةُ جَاءُوا بِنَفْيٍ مُفَصَّلٍ وَإِثْبَاتٍ