واخوتي الصغار .. اكتب إليك حروفًا ممزقة وكلمات مبعثرة وجملًا غير مكتملة، اكتب إليك بدمي الأحمر وعظمي الذي لم يشتد بعد، اكتب اليك والأمل نصب عيني ان أراك من جديد .. اكتب اليك وأنا اجهل الوقت عندك، فهل هو الصباح وفنجان القهوة والجريدة؟ ام هو المساء وأنت تتابع الأخبار؟ لعلّه وقت الظهيرة وأنت تداعب اخوتي الصغار، لا انه الظلام الهادىء وصوت الجلاّد ينبح: قم جاء وقت العدّ!!
أبى اشتقت إليك .. اشتاقت الأرض لرؤيتك، والشمس لنورك, والقمر لهلالك: اشتاق الشعب للقياك، والتراب لكلامك، والزرع لسلامك .. نحلم بلقائك من جديد فها نحن نحترق انتظارًا، تتحرك عقارب الساعة والزمن في سكون، وكأن العالم جمد وكف عن الحركة عندما رحلت عنا .. اشتاق لذراعك تطوقني، آه كم اشتاق للعناق! في تلك اللحظة سأعلن اني امتلكت العالم وأن لعبة الأقدار التي عصفت من حيث لا ندري قد انتهت، نحلم بلقائك، لان الأماني حياة والاستسلام عدم، نبكي أحيانا لان الدموع قطرات ندى تغسل الكدر من عيوننا .. فان رمانا الدهر بسهم الفراق فلنعش على أمل اللقاء ..
أبي، يا فارس الحلم وساكن القلب، ما زلت اشعر ان ملايين الكلمات تجول في صدري، تنتظر موعد الإفراج عنها، ولا أزال أؤمن ان المسافات بين ما قد قلت ولم اقل كبيرة .. ما زلت احتفظ لك في ذاكرتي بالكثير، فالقلم عاجز عن إخراج خبايا الصدور .. فكم هي واسعة عطاياك، حبك، حنانك، وعظك وارشادك، كلها أصبحت كريات في دمي ونبضات في عروقي، أحرف كلماتك أضحت كخيوط الشمس الدافئة التي انغرست في ضلوعي ولن تغرب ابدًا .. فانت يا ابي حاضرٌ دومًا، تنهض من ركام الذاكرة لاجدك ماثلًا أمام ناضري، حاضرًا في الزمان والمكان تنفض غبار الزمن المتراكم في اجندة القيد والحصار ..
أبتي، ما فتئنا ندافع عن خضرة الزيتون وزرقة البحر ورمل الذاكرة، ما فتئنا كذلك، لان طريقنا أشجار خضراء على جنباتها حجارة لونها الزمن بلون اخضر، مرتبة بعناية، النجوم وقبل طلوع الشمس تعانق أشجار الزيتون والبلوط .. أشعة الشمس الذهبية وقطرات الندى تتلألأ بهدوء من بين الأغصان .. تداعب شقائق النعمان الفتية .. تغسل سنابل القمح المتمايلة مع هبات الريح كأنها جديلة فتاة بللتها حبات المطر .. ما فتئنا نحلم ببحر عكا وجنات برتقال يافا .. وما فتئتم بأيادٍ أدمتها الجراح تغزلون للانتصار رايته الجديدة، فقد سقط أولئك الذين يسمون الأشياء بغير أسمائها ويضعون