= أهلًا بك يا شهرًا تقوى فيه العزيمة الصادقة، وتُربى فيه الإرادة الحازمة، فيقل فيه التهافت على الشهوات، ويُمسكُ فيه عن المحرمات، وتُجتنب فيه المنكرات. وهنا يحضرني قول الشاعر:
أتاك شهر السعدِ والمكرُمات *** فحيه في أجمل الذكريات
= أهلًا بك يا موسم الصلح مع الله - تعالى -، وميدان التنافس في كثرة الطاعات، والبعد عن المعاصي والمُحرمات، فيزداد الإيمان، ويعظُم اليقين، وتتحقق محبة الله - عز وجل - في كل وقتٍ وحين، وتُحيا سُنن رسوله الأمين، وتُستثمر فيه الأوقات بكل نافعٍ ومُفيد، ويُبارك الله - تعالى -في أيامه ولياليه، وتنشط الدعوة إلى الله - تعالى -بإقامة الدروس الدينية، وتنظيم المحاضرات التوعوية، وعقد الندوات، وإلقاء المواعظ، وغير ذلك من مجالس الذكر وحلق العلم وأُمسيات الخير.
= أهلًا بك يا شهر القرآن الكريم لتكون دافعًًا لجلوس العباد إلى مائدة القرآن الكريم حتى ينهلوا من معينه الطيب المُبارك الفياض، ويتدبروا آياته البينات، ويستكثروا بتلاوته من الحسنات فقد صح في الحديث أن للقارئ بكل حرفٍ من القرآن حسنة، والله يُضاعف لمن يشاء.
= أهلًا بك يا شهرًا يصوم فيه المسلم كله لوجه الله - سبحانه - امتثالًا لأمره وابتغاءً لمرضاته، فالقلب يصوم عندما يتجه إلى خالقه جل في علاه في كل لحظة، ويبتعد عن المحرمات والمعاصي، ويُعمرُ بالتقوى. والبطن يصوم عندما يمتنع عن أكل الحرام سواءً كان ربًا أو رشوةٍ أو سُحتٍ أو غشٍ أو أكلٍ لمال اليتيم أو طعامٍ مُحرمٍ أو شرابٍ مُسكر أو مُفتِّر أو نحو ذلك مما حرمه الله - تعالى -ورسوله. والأذن تصوم عندما تنتهي عن سماع اللغو والباطل، والغناء والموسيقى، والقول الفاحش والكلام البذيء. والعين تصوم عندما تمتنع عن النظر إلى ما حرَّم الله - تعالى -من المناظر والمشاهد ونحوها. واللسان يصوم عندما يتوقف عن كل قولٍ باطلٍ لا خير فيه من لغوٍ وغيبةٍ ونميمةٍ وكذبٍ وفجورٍ وسبٍ وشتمٍ وفضولٍ ونحوها.
= أهلًا بك يا شهرًا يُجدد فيه المسلمون عهدهم مع الله - تعالى - على التوبة الصادقة، فيعودون إلى الله - سبحانه - ويُنيبون إليه ويستغفرونه (جل في عُلاه) بعد أن كثُرت خطاياهم، وعظُم زللهم، وزادت سيئاتهم، وطال زمن عصيانهم؛ فكان شهر رمضان المبارك فرصةً لا تُفوت للتوبة والاستغفار والعودة والإنابة. قال - تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (سورة الزمر: 53) .
وما أجمل قول الشاعر في هذا المعنى: