فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 991

جاءت القصيدة على لسان الخادمة الأم تواسي نفسها في اغترابها وفراقها أولادها.

هجرت مهد الصبا والموطن الحاني *** وعفتُ من أجلكم روحي وريحاني

ولكنها هاجرت بجسمها، أمّا القلب فهو مع الأحبة:

رحلت لكن فؤادي قيد وجهتكم *** أنّى اتجهتم، فهل في الدمع سلواني؟

وهي إذ تطير من أرض إلى أرض، فإنها تحسّ بالخوف يفجّر كيانها في لحظة الهبوط الأولى:

حتى إذا هبطتُ أحسست قنبلة *** تستأصل الأمن من أرجاء وجداني

ويصور الشاعر لحظات الوصول وسريان دفق من مشاعر المهانة لدى هذه الإنسانة وأمثالها حين يأتي المخدومون فيختارون خادماتهم، وليس هناك من صلة ولغة إلا لغة العيون:

واختارني واحد من بينهم فغدت *** تسري نواظره في كل أرداني

كأنه مشترٍ ألفى مطالبه *** بعد الضنى فرحًا في قعر دكان

إن إنسانية الشاعر الحليبي لم تغفل ضرورة الخروج من دائرة المهانة التي تلفّ هذه (الخادمة الأم) وأمثالها فراح يكشف لنا تلك الغيوم الكالحة المخيفة، فيصفو الجو وترتاح النفس، وتطمئن؛ لأنها صارت في أسرة تعرف معنى الإنسانية، وترتقي إلى مستوى التعامل بمبادئها، ذلك أن الأسرة المسلمة يجب أن تتحلى بهذه الإنسانية من أجل الإنسانية ومن أجل الإسلامية.

تقول الخادمة في وصف منزلها الجديد في الغربة:

فضمني منزل طابت سرائره *** في كل قلب به للخير نبعان

فالأم أمي ورب البيت يشملني *** منه الرعاية شأن الوالد الحاني

ولكن أنّى للطائر الجريح أن يكفّ جناحاه عن محاولة الطيران! وأنّى للأم الحنون أن تسلو عن أحشائها، وتمنع قلبها عن الخفقان! كل حركة في هذا المنزل الآمن تذكرها بمنزلها الآمن الذي تحِنّ فيه قلوب الصغار إلى أمهم، وهل عن الأم عوض للصغار فهي غائبة حاضرة، وبعيدة قريبة:

إني لأنظركم في كل ناحية *** على أرائك من حولي وجدران

أحس هرولة الأوراق تجرفها *** الرياح عودتكم من كل ميدان

وإن تراقصت الأغصان هامسة *** حسبته صوتكم بالحب ناداني

لقد حبست دمعي ووضعت يدي على قلبي وأنا أقرأ هذا البيت الهامس عندما قرأت (حسبته صوتكم بالحب ناداني) .

فهي لا ترى في أولاد مخدومها إلا أولادها الذين خلفتهم وراءها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت