لعلك قد عرفت الآن لمَ قررت أن أصارحك بما أكتمه بين جدراني وفي أروقتي في هذا اليوم، ونحن نودع ذلك الشهر الفضيل ... ذلك الشهر الذي أُحبه وأنتظره في كل عام بشغف ولهفة واشتياق! ... كيف لا؟! كيف لا وهو شهر القرآن والقيام؟! ... كيف لا وفي هذا الشهر أرى وجوه أحبة طالما اشتقت لمرآها وتمنيت خدمتها ...
أتدري أخي؟؟ كنت منذ أيام قليلة أستعد للإحتفاء بأفواج المصلين الذين سيتوافدون عليّ في رمضان يحيون ليله، يعتكفون في أواخره ويملأون جنباتي ذكرًا وتسبيحًا وتلاوة عطرة .. ! كان شوقي يتزايد وأنا أرقب الأيام تمضي وأنا أشعر بها وكأنها كهل متعب لا يقوى على الحراك فكأنها لا تمشي قدمًا أبدًا! .. وأخيرًا ... جاء الحبيب! وهلّ رمضان بعد طول انتظار!
يا لله! يالها من لحظات!
ياله من شعور غريب عجيب وقد امتلأت الصفوف .. وعلا أزيز المصلين بالتلاوات العطرة! .. وأتت أول ليلة من ليالي الرحمة ... وتزاحمت الأرجل .. ورُصَّت الصفوف كصفوف الملائكة! .. يا الله! .. ما أسعدني وأنا أشرف بهذه الجباه وهي تخر للرحمن سُجَّدًا على أرضي وبين جنباتي! لك الحمد يالله أن اخترتني أنا لأكون الأرض التي يسجدون عليها ... والجدران التي تسترهم وتقيهم الحر والبرد .. والسقف الذي يظلهم من شمس الأصيل ...
الله أكبر! نداء تكرر في جنباتي كعدد الحصى الذي بنيت به .. لا بل أكثر .. ! ولكنه في هذه اللحظات له طعم آخر ... إنه نداء يخرج من أفواج من المصيلن لم أشرف بمثل أعدادهم منذ رمضان الماضي! .. يالله! ... لكأن جدراني تتسع وصفوفي تمتد لتحتوي هذه الجموع المؤمنة فلا تشعر بضيق المكان! ...
يا الله! لكم انتظرت هذه اللحظات!
لكم مرت عليّ لحظات عصيبة طوال العام أعاني الوحشة والهجر ...
كنت استمع لأنين المصاحف إذا ما أقفل المؤذن أبواب المسجد ليلًا بعد أن ينصرف الجميع .. وكنت أسمعها تشتكي غبارًا اعتلاها ومصلين هجروها ... كانت تنظر إلي منتظرة الجواب ... كنت أشيح عنهم عيونًا فاضت بالدمع ... وأكتم آهات تكاد تخرج عبر مكبرات الصوت قائلة: أين هم! أين الغر المحجلين! أين أحبابي؟ أين من تعلقت قلوبهم بالمساجد؟! أين من يحبون أن أشهد لهم أنهم قاموا لله فيه مصلين خاشعين ولبوا النداء إذ دعاهم للفلاح ... ولكن ... !
وجاء رمضان! وأشرق الأمل من جديد .. !