القضاء والقدر، وسجد بعد الركعة الثانية من صلاته، أتاه أمر الله لميقاته، على حين الشباب غض جلبابه، والسلاح زاخر عبابه، والدين بهذا القطر قد أينع بالأمن جنابه، وأمر من يقول للشيء كن فيكون قد بلغ كتابه، ولم يرعه وقد اطمأنت بذكر الله تعالى القلوب، وخلصت الرغبات إلى فضله المطلوب، إلا شقي قيضه الله لسعادته غير معروف ولا منسوب، وخبيث لم يكن بمعتبر ولا محسوب، تخلل الصفوف المعقودة، إلى طاعة الله المحشودة، لا تدل العين عليه شارة ولا بزة، ولا تحمل على الحذر من مثله أنفة ولا عزة، وإنما هو خبيث ممرور، وكلب عقور، وحية سمها وحي محذور، وآلة مصرفة لينفذ بها قدر مقدور، فلما طعنه وأثبته، وأعلق به شرك الحين فما أفلتهن قبض عليه من الخلصان الأولياء، من خبر ضميره، وأحكم تقريره، فلم يجب عند الاستفهام جوابًا يعقل، ولا عثر منه على شيء عنه ينقل، لطفًا من الله أفاد براءة الذمم، وتعاوته للحين أيدي التمزيق، وأتبع شلوه بالتحريق، واحتمل مولانا الوالد العزيز رحمه الله تعالى إلى القصر وبه دماء لم يلبث بعد الفتكة العمرية إلا أيسر من اليسير، وتخلف الملك ينظر من الطرف الحسير، وينهض بالجناح الكسير، وقد عاد جمع السلامة إلى التكسير، إلا أن الله تعالى تدارك هذا القطر الغريب بان أقامنا مقامه لوقته وحينه، ورفع بناء عماد ملكه ولم شعث دينه، وكان جميع من حضر المشهد من شريف الناس ومشروفهم، وأعلامهم ولفيفهم، قد جمعه ذلك الميقات، وحضر الأولياء الثقات، فلم تختلف علينا كلمة، ولا شذت منهم عن بيعتنا نفس مسلمة، ولا أخيف بري، ولا حذر جري، ولا فري فري، ولا وقع لبس، ولا استوحشت نفس، ولا نبض للفتنة عرق، ولا أغفل للدين حق، فاستند النقل إلى نصه، ولم يعدم من فقيدنا غير شخصه، وبادرنا إلى مخاطبة البلاد نمدها ونسكنها، ونقرر الطاعة في النفوس ونمكنها، وأمرنا الناس بها بكف الأيدي، ورفع التعدي، والعمل من حفظ شروط المسالمة المعقودة بما يجدي، ومن شره منهم للفرار (1) ، عاجلناه بالإنكار، وصرفنا على النصارى ما أوصاه مصحبًا بالاعتذار، وخاطبنا صاحب قشتالة نرى ما عنده في صلة السلم إلى أمدها من الأخبار، واتصلت بنا البيعات من جميع الأقطار، وعفى على حزن المسلمين بوالدنا ما ظهر عليهم بولايتنا من الاستبشار، واستبقوا تطير بهم أجنحة الابتدار، جعلنا الله تعالى ممن قابل الحوادث بالاعتبار، وكان على حذر من تصاريف الأقدار، واختلاف الليل والنهار، وأعاننا على إقامة دينه في هذا الوطن الغريب المنقط بين العدو الطاغي والبحر الزخار، وألهمنا من شكره لما يتكفل بالمزيد من نعمه، ولا قطع عنا عوائد كرمه.