مقامكم الذي نعلم مساهمته فيما ساء وسر وأحلى وأمر، عملًا بمقتضى الخلوص الذي ثبت واستقر، والحب الذي ما مال يومًا ولا ازور، وما أحق تعريف مقامكم بوقوع هذا الأمر المحذور، وانجلاء ليله عن صنع الصبح البادي السفور وإن كنا قد خاطبنا من خدامكم من يبادر إعلامكم بالأمور، إلا أنه أمر له ما بعده، وحادث يأخذ حده، ونبعث إلى بابكم من شاهد الحال ما بين وقوعها إلى استقرارها رأي العيان وتولى تسديد الأمور بأعماله الكريمة ومقاصده الحسان، ليكون أبلغ في البر وأشرح للصدر وأوعب للبيان، فوجهنا إليكم وزير أمرنا، وكاتب سرنا، الكذا أبا فلان، وألقينا إليه من تقرير تعويلنا على ذلك المقام الأسنى، واستنادنا من التشييع إليه إلى الركن الوثيق المبنى، ما نرجو أن يكون له فيه المقام الأعنى، والثمرة العذبة المنى، فلاهتمامه بهذا الغرض الأكيد الذي هو أساس بنائنا، وقامع أعدائنا، آثرنا توجيهه على توفر الاحتياج له، ومدار الحال عليه، والمرغوب من أبوتكم المؤملة أن يتلقاه قبولها بما يليق بالملك العالي، والخلافة السامية المعالي، والله عز وجل يديم أيامكم لصلة الفضل (1) المتوالي، ويحفظ مجدكم من غير الأيام والليالي، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نصركم وعضدكم، والسلام الكريم يخصكم، ورحمة الله وبركاته؛ انتهى.
(1) ق: فضله.
وقوله في هذه الرسالة"فوجهنا إليكم وزير أمرنا - إلى آخره"هو لسان الدين رحمه الله تعالى، إذ هو كان الوزير إذ ذاك والسفير في هذه القضية، ومن صفحات هذا الكلام يتضح لك ما نال لسان الدين رحمه الله تعالى من الرياسة والجاه ونفوذ الكلمة بالأندلس وبالمغرب رحمه الله تعالى، وقد أكرمه السلطان أبو عنان في هذه الوفادة وغيرها غاية الإكرام، وكان المقصود الأعظم من هذه الوفادة استعانة سلطان الأندلس الغني بالله بالسلطان أبي عنان على طاغية النصارى، كما ألمعنا بذلك في الباب الثاني من القسم الثاني الذي يتعلق بلسان الدين، وكان السلطان أبو عنان ابن السلطان أبي الحسن معتنيًا بالأندلس غاية الاعتناء، وخصوصًا بجبل الفتح، حتى أنه بلغ من اهتمامه به أن أمر عليه ولده أبا بكر السعيد، وهو الذي تولى الملك بعده. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 4 / ص 424)