ذلك أن في النفوس ضعفًا لا تقبل معه بمخالفة العوائد والأعراف، وذلك أن في الإيمان ضعفًا، فلا يجرأ على أن يعلن عن مقتضاه ومستلزماته التي تخالف أهواء البشر.
ومن هنا نقف هذه الوقفة؛ التي قد يطول أمدها ويستمر حديثها لما لها بصلةٍ بالواقع، وبكثيرٍ من أحوالها من أثرٍ من الشكوى والمعاناة التي أشرت إليها.
وابدأ بالصورة الجميلة المشرقة التي بينها الله - عز وجل - في كتابه الكريم للزواج وبناء الأسرة؛ لنرى وليرى معنا العقلاء هذه الصورة المحلقة في أفقٍ سامٍ من الفضائل، والمغمورة في بحرٍ عظيمٍ من المنافع والمصالح، ويروا بعد ذلك ما في الواقع من أشواك ومن آلام لا تتفق مع هذه الصورة؛ لأنها لم تأخذ بأسبابها يقول الحق - جل وعلا: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقومِ يتفكرون} .
وفي موضعِ آخر يقول الحق - جل وعلا: {هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} .
فهذا الزواج هو السكن التي تطمئن فيه القلوب، وتهدأ النفوس، وتستقر الأفكار والعقول، ويجتمع الهوى، فلا يتفرق ولا يتشتت، ويتوجه الحب في مساره الصحيح، فلا يزل ولا يضيع ولا يزيغ ولا يهلك صاحبه بمخالفة أمر الله - عز وجل -.
هو السكن الذي يفيء إليه المسلم المؤمن مما يلقاه من عناءٍ أو مشكلاتٍ أو معاناةٍ في أثناء هذه الحياة الدنيا.
هو السكن الذي تستفرغ فيه الشهوة في جوٍ نظيفٍ طاهر، وفي استمراريةٍ دائمةٍ ملائمة، وفي هدفٍ ورسالةٍ مثاليةٍ رائعة .. إنه ليس مجرد قضاء للشهوة والوطر! إنه ليس مجرد عبث وهوى! إنه استقرار ورسوخ! إنه سكونُ وطمأنينة! إنه استمرارُ وديمومة!
ولذلك غذائه الذي يغذيه وماءه الذي يجري معه ويرويه هو المودة والمحبة: وجعل بينهم مودة ورحمة).
هذه التي تغذي هذه المسيرة في حياة الأسرة في حياة اللبنة الأولى من لبناة المجتمع فإن في الحياة غنى وفقرًا، وإن فيها سعادة وسرورًا، وفيها كذلك شقاء وشرورًا، وما يحفظ الملأ الأسرة في سائر أحوالها وتقلباتها إلا هذه المودة والرحمة، وقبل ذلك أساس الإيمان الجامع ومنطلق رسالة الإسلام التي تحدد الهدف والغاية.