والناس في المسجد سواسية يجلس فيه كل واحد من المسلمين بسبقه فقط وليس بوظيفته أو رتبته، فلربما سبق حارس العقار فجلس أمام صاحب العقار، ولربما سبق المرؤوس فجلس أمام الرئيس.
أو ربما جلس أحدهما بجوار الآخر، ويقفون في الصف متراصين، الأقدام في الأقدام، والأكتاف في الأكتاف، لا عبرة بوظيفة، ولا منصب، أو سلطان.
فأين يتعلم الناس المساواة كما يتعلمونها في المسجد؟
ودور الإمام أن يبرز هذه المعاني ..
وفي المسجد يشعر الناس بالإخاء الإيماني العميق، وتصفوا نفوسهم فلا غل، ولا حقد، ولا شحناء، ولا ضغينة.
ويظل المسجد دار من لا دار له، وسند من لا سند له، وعون من لا عائل له، فأهل الصفة كانوا بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكلون من فضل الله.
ولو تحققت رسالة المسجد لاستطعنا أن نصبغ الدنيا بصبغة الإسلام عملًا وليس قولًا فقط.
لقد كان المسجد مركزًا للقيادة العامة لقوات الجيش، توضع فيه الخطط الحربية، ويرشح فيه قادة الجهاد وولاة الأمور، وتقسم فيه الغنائم، وتنظر فيه قضايا الأمة، وعلى الرغم من أن حاجات الأمم قد زادت وقضاياهم قد كثرت مما حملهم على إنشاء دور للقضاء، ومكان للبرلمان، ومراكز للقيادة، وأماكن للتعليم، ودور للتثقيف، إلا أن المسجد سيظل وإلى الأبد المكان الذي يلتقي فيه كل المسلمين حكامًا ومحكومين، قضاة ومتخاصمين، عسكريين ومدنيين، أغنياء وفقراء، وسيجد كل هؤلاء حاجتهم في بيوت الله؛ من تعميق صلتهم بربهم، ومعرفة ما يريده الله - تعالى - منهم، فينطلقون من المسجد وقد شحذت هممهم لعمل الخير، والدفاع عن الفضيلة، ومحاربة الرذيلة، وقد تربوا على إقامة العدل، ورد المظالم، وإتقان العمل، والقيام بالواجب، وصدق من قال: إن الإسلام لا يعلمنا كيف نستخرج البترول من الأرض، ولا كيف نستفيد من مشتقاته، لكنه يصنع الرجال.
أقول: نعم، يصنع الرجال الأمناء الأوفياء، المخلصين المتقنين لأعمالهم، ويبعث بهم في كل ميدان، فإذا منهم المهندس الناجح، والطبيب الصالح، والإمام العادل، والقاضي الذي يتحرى الحق.
وإذا ما تساءلنا عن مصنع الأقلام عرفنا مكانه، وكل آلة لها مصنعها، لكن إن قلنا: أين يصنع الرجال ذوو الأخلاق الحسنة، وأصحاب القيم النبيلة، وأصحاب المواهب الفذة؟