صراخك بدموع فرحي، وأزالت كل آلامي وجراحي، بل حنوت عليك مع شدة ألمي وقبَّلتُك قبل أن تنال منك قطرة ماء!
يا بني .. مرت سنوات من عمرك وأنا أحملك في قلبي وأغسلك بيدي، جعلت حجري لك فراشًا، وصدري لك غذاء .. سهرت ليلي لتنام .. وتعبت نهاري لتسعد .. أمنيتي كل يوم أن أرى ابتسامتك .. وسروري في كل لحظة أن تطلب شيئًا أصنعه لك، فتلك هي منتهى سعادتي!
ومرت الليالي والأيام وأنا على تلك الحال خادمة لم تقصر، ومرضعة لم تتوقف، وعاملة لم تسكن، وداعية لك بالخير والتوفيق لا تفتر، أرقبك يومًا بعد يوم حتى اشتد عودك، واستقام شبابك، وبدت عليك معالم الرجولة، فإذا بي أجري يمينًا وشمالًا لأبحث لك عن المرأة التي طلبت! وأتى موعد زواجك، واقترب زمن زفافك، فتقطع قلبي، وجرت مدامعي، فرحة بحياتك الجديدة، وحزنًا على فراقك! ومرت الساعات ثقيلة، واللحظات بطيئة، فإذا بك لست ابني الذي أعرفك، اختفت ابتسامتك، وغاب صوتك، وعبس محياك، لقد أنكرتني وتناسيت حقي! تمر الأيام أراقب طلعتك، وأنتظر بلهف سماع صوتك. لكن الهجر طال والأيام تباعدت! أطلت النظر على الباب فلم تأت! وأرهفت السمع لرنين الهاتف حتى ظننت بنفسي الوسواس! هاهي الليالي قد أظلمت، والأيام تطاولت، فلا أراك ولا أسمع صوتك، وتجاهلت من قامت بك خير قيام!
يا بني لا أطلب إلا أقل القليل .. اجعلني في منزلة أطرف أصدقائك عندك، وأبعدهم حظوة لديك! اجعلني يا بني إحدى محطات حياتك الشهرية لأراك فيها ولو لدقائق ..
يا بني .. احدودب ظهري، وارتعشت أطرافي، وأنهكتني الأمراض، وزارتني الأسقام .. لا أقوم إلا بصعوبة، ولا أجلس إلا بمشقة، ولا يزال قلبي ينبض بمحبتك!
لو أكرمك شخص يومًا لأثنيت على حسن صنيعه، وجميل إحسانه .. وأمك أحسنت إليك إحسانًا لا تراه ومعروفًا لا تجازيه .. لقد خدمتك وقامت بأمرك سنوات وسنوات! فأين الجزاء والوفاء؟! ألهذا الحد بلغت بك القسوة وأخذتك الأيام؟!
يا بني .. كلما علمت أنك سعيد في حياتك زاد فرحي وسروري .. وأتعجب وأنت صنيع يدي. أي ذنب جنيته حتى أصبحت عدوة لك لا تطيق رؤيتي وتتثاقل زيارتي؟! هل أخطأت يومًا في معاملتك، أو قصرت لحظة في خدمتك؟! اجعلني من سائر خدمك الذين تعطيهم أجورهم .. وامنحني جزءًا من رحمتك. ومُنَّ عليَّ ببعض أجري .. وأحسن فإن الله يحب المحسنين! يا