فهرس الكتاب

الصفحة 745 من 991

ثم إلى موقف صحابي آخر هو أبو محجن الثقفي - رضي الله عنه - لقد كان هذا الصحابي مبتلى بشرب الخمر فكان يجاء به فيجلد، ثم يجاء به فيجلد، ولكنه لم يفهم أن هذا يعفيه من العمل لدينه أو القعود عن نصرته، فإذا به يخرج مع المسلمين إلى القادسية جنديا يبحث عن الموت مظانه، وفي القادسية يجاء به إلى سعد بن أبي وقاص وقد شرب الخمر، فيعاقبه سعد وتكون العقوبة حبسه فلا يدخل المعركة، ولا يشارك في القتل.

وكانت عقوبة قاسية آلمت أبا محجن اشد الألم حتى إذا يسمع ضرب السيوف ووقع الرماح وصهيل الخيل وعلم أن سوق الجهاد قد قامت، وأبواب الجنة قد فتحت جاشت نفسه وهاجت أشواقه إلى الجهاد فعبر عن حسرته بقيام سوق الجهاد وهو حبيس القيد والسجن بقوله:

كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا ... واترك مشدودا إلي وثاقيا

إذا قمت عنا في الحديد وغلقت ... مصارع دوني قد تصم المناديا

فلله عهد لا أخيس بعهده لئن فرجت إلا ازور الخواليا

ثم نادى امرأة سعد ابن وقاص وقائلًا: خليني فلله على إن سلمت أن أجيء حتى أضع رجلي في القيد، وان قتلت استرحتم مني، فرحمت أشواقه، واحترمت عاطفته وخلت سبيله، فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء ثم اخذ الرمح وانطلق لا يحمل على كتيبة إلا كسرها، ولا على جمع إلا فرقه، وسعد يشرف على المعركة ويعجب ويقول: الكر كر البلقاء، والضرب ضرب أبي محجن!!

حتى إذا انهزم العدو عاد أبو محجن فجعل رجله في القيد فما كان من امرأة سعد إلا أن أخبرته بهذا النبأ العجاب وما كان من أمر أبي محجن، فأكبر سعد - رضي الله عنه - هذه النفس، وهذه الغيرة على الدين، وهذه الأشواق للجهاد وقام بنفسه إلى هذا الشارب الخمر يحل قيوده بيديه الطيبتين ويقول:"قم فو الله لا أجلدك في الخمر أبدًا، وأبو محجن يقول: وأنا و الله لا اشربها أبدا".

فانظر أيها الأخ المبارك إلى هذين الرجلين كيف لم تعفهما الخطيئة، ولم تقعدهما المعصية عن الولاء للدين والعمل به!!.

أخي الحبيب:

إن الخطايا ليست عذرًا للتحلل من الولاء للدين، ولا من العمل له، ولا من نصرته، ولا من الغيرة عليه، ولولا ذلك لما انتصر للدين منتصر، ولا قام به قائم.

نعم أيها الحبيب المحب إن الولاء للدين والغيرة عليه مسئولية المسلم من حيث هو مسلم مهما كان فيه من تقصير ومهما قارف من إثم، مادام له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت