يا بني .. إحدودب ظهري، وارتعشت أطرافي، وأنهكتني الأمراض، وزارتني الأسقام .. لا أقوم إلا بصعوبة، ولا أجلس إلا بمشقة، ولا يزال قلبي ينبض بمحبتك!
لو أكرمك شخص يومًا لأثنيت على حسن صنيعه، وجميل إحسانه .. وأمك أحسنت إليك إحسانًا لا تراه ومعروفًا لا تجازيه .. لقد خدمتك وقامت بأمرك سنوات وسنوات! فأين الجزاء والوفاء؟! ألهذا الحد بلغت بك القسوة وأخذتك الأيام؟!
يا بني .. كلما علمت أنك سعيد في حياتك زاد فرحي وسروري .. وأتعجب وأنت صنيع يدي. أي ذنب جنيته حتى أصبحت عدوة لك لا تطيق رؤيتي وتتثاقل زيارتي؟! هل أخطأت يومًا في معاملتك، أو قصرت لحظة في خدمتك؟! اجعلني من سائر خدمك الذين تعطيهم أجورهم .. وامنحني جزءًا من رحمتك. ومُنَّ عليَّ ببعض أجري .. وأحسن فإن الله يحب المحسنين! يا بني أتمنى رؤيتك لا أريد سوى ذلك! دعني أرى عبوس وجهك وتقاطيع غضبك.
يا بني .. تفطر قلبي، وسالت مدامعي، وأنت حي ترزق! ولا يزال الناس يتحدثون عن حسن خلقك وجودك وكرمك!
يا بني .. أما آن لقلبك أن يرق لامرأة ضعيفة أضناها الشوق، وألجمها الحزن! جعلت الكمد شعارها، والغم دثارها! وأجريت لها دمعًا، وأحزنت قلبًا، وقطعت رحمًا ..
يا بني هاهو باب الجنة دونك فاسلكه، واطرق بابه بابتسامة عذبة، وصفح جميل، ولقاء حسن .. لعلي ألقاك هناك برحمة ربي كما في الحديث: {الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب، أو احفظه} [رواه أحمد] .
يا بني أعرفك منذ شب عودك، واستقام شبابك، تبحث عن الأجر والمثوبة، لكنك اليوم نسيت حديث النبي: {إن أحب الأعمال إلى الله الصلاة في وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله} [متفق عليه] ، هاك هذا الأجر دون قطع الرقاب وضرب الأعناق، فأين أنت من أحب الأعمال؟!
يا بني إنني أُعيذك أن تكون ممن عناهم النبي بقوله: {رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه} قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: {من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة} [رواه مسلم] .
يا بني .. لن أرفع الشكوى، ولن أبث الحزن، لأنها إن ارتفعت فوق الغمام، واعتلت إلى باب السماء أصابك شؤم العقوق، ونزلت بك العقوبة، وحلت