الناس يطلبون المنايا وأول من يفقد السعادة هو من تطلبها بمعصية الله عز وجل فأصحاب المعاصي في الحقيقة ليسوا سعداء وان اظهروا الانشراح والفرح، ولا تغتر بظاهر عبيد الشهوة فإنهم يضحكون ويبتسمون ولكن قلوبهم رأيتها كمراجل النيران ووقودها الشهوات والحسرات والآلام. ولكن لله أقوام عاشوا عيش السعداء أذاقهم الله تعالى طعم محبته ونعَّمهم بمناجاته وطهر سرائرهم بمراقبته وزين رؤوسهم بتيجان مودته فذاقوا نعيم الجنة قبل أن يدخلوها فلله درهم من أقوام عرفوا طريق السعادة فسلكوه وقد اشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا العيش فكان يدعو كما عند الترمذي وغيره ويقول:"اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء والنصر على الأعداء". أولئك السعداء إذا ضاق صدر أحدهم بمصيبة أو اشتاقت نفسه إلى حاجة بسط في ظلمات الليل يدًا سائلة وسجد بين يدي ربه بنفس وجلة وسأل ربه من خير كل نائلة وأحسن الظن بربه وعلم انه واقف بين يدي ملك لا تشتبه عليه اللغات ولا تختلط عليه الأصوات ولا يتبرم بكثرة السائلين وتنوع المسؤولات إذا جن عليهم الليل وفتح ربهم أبواب مغفرته كان هؤلاء السعداء هم أول الداخلين المؤمنون بآيات الله حقًا. وكم من الناس يتساهل بالمحرمات فإذا نصح قال لك"أنا ما فعلت شيئا الناس يفعلون أعظم من ذلك"والله جل وعلا يقول: {وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم} ومن هانت عظمة الله في نفسه فتساهل بالمعاصي والمخالفات فليعلم انه ما ضرَّ إلا نفسه وان لله جل وعلا عبادا لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون هم أكثر منا عددًا وأعظم خوفًا وتعبدًا. السعداء كثر في الدنيا اجتهادهم فعلت بين الناس رتبهم حتى لا يقاسوا عند الله بأشكالهم ولا بأحجامهم وإنما يرتفعون عند ربهم جل جلاله بأعمالهم التي يتقربون إليه بها. والإنسان كلما ازداد انخراطًا في اللذات واتباع الشهوات نزع الله منه أسباب السعادة وسلط الله عليه الضيق والهموم لماذا؟ لأن انشراح الصدر ولذة العمر نعم عظيمة لا يعطيها الله تعالى إلا لمن يحب. لذا امتن الله بها تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال له: {ألم نشرح لك صدرك} .. وأولى عقوبات المعاصي ضيق الصدر، ولو علم العاصي والعاصية ما في العفاف والطاعة من اللذات والسرور والانشراح والحبور لعلموا إن الذي فاتهم من لذة الإيمان أضعاف ما حصلوا عليه من لذة معصية عابرة فضلا عما يكون يوم القيامة قال ابن عباس:"إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس وإن للسيئة ظلمة في القلب وسوادًا في الوجه ووهنًا في البدن وبغضة في قلوب الخلق"وقال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما:"من كثرت صلاته"