فهرس الكتاب
فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخِيَارُ فِي أَثْنَاءِ النِّكَاحِ كَالْعَمَى طَرْدًا ، وَكَالْجَبِّ عَكْسًا ، وَلِأَنَّ مَا لَزِمَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ خِيَارٌ كَالْبَيْعِ .
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ:"قَدْ مَلَكْتِ بُضْعَكِ فَاخْتَارِي"فَهُوَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَا نَقَلَهُ غَيْرُهُمْ وَلَا وُجِدَ إِلَّا فِي كُتُبِهِمْ ، ثُمَّ يَكُونُ مَعْنَاهُ: قَدْ مَلَكْتِ نَفْسَكِ تَحْتَ الْعَبْدِ فَاخْتَارِي ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا تَحْتَ الْحُرِّ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا كَانَ عَبْدًا ، فَالْمَعْنَى فِيهِ نَقْصُهُ بِالرِّقِّ عَنْ كَمَالِهَا بِالْحُرِّيَّةِ ، فَذَلِكَ كَانَ عَيْبًا يُوجِبُ الْخِيَارَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِتْقُهَا مَعَ الْحُرِّ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهَا بُضْعَهَا بِمَهْرٍ مَلَكَهُ غَيْرُهَا ، فَلَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْمَعْنَى وَاسْتِحْقَاقِ الْخِيَارِ: لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُكَاتِبَةً وَقْتَ الْعَقْدِ فَمَلَكَتْ مَهْرَهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْعِلَّةَ: لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ بِالْعِتْقِ مَا مُلِكَ عَلَيْهَا فِي الرِّقِّ: لِأَنَّهَا لَوْ أُوجِرَتْ ثُمَّ عُتِقَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ خِيَارٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيلُ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:"فَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ لَهَا الْخِيَارُ إِذَا أُعْتِقَتْ ، مَا لَمْ يُصِبْهَا زَوْجُهَا بَعْدَ"