فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ تَخْيِيرَهُ فِي الْأَبَوَيْنِ لَا يَمْنَعُ الْآخَرَ مِنْ تَأْدِيبِهِ وَتَقْوِيمِهِ وَتَعْلِيمِهِ .
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ ، فَهُوَ أَنْ لَا يُحْكَمَ لِقَوْلِهِ فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ كَالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ ، وَيُحْكَمَ بِقَوْلِهِ فِي الْمَصَالِحِ كَمَا يُحْكَمُ بِقَوْلِهِ فِي الْإِذْنِ وَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِقَوْمِهِ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ فَتَبِعَهُ الرِّجَالُ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ حُكْمٌ مَا جَازَ اتِّبَاعُهُ فَكَانَ تَخْيِيرُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْلَى .
فَأَمَّا فَرْقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ؛ فَلَئِنْ كَانَتِ الْأُمُّ أَعْرَفَ بِتَدْبِيرِ الْبَنَاتِ فَالْأَبُ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِنَّ ؛ وَلَئِنْ كَانَ الْأَبُ أَعْرَفَ بِتَعْلِيمِ الْبَنِينَ فَلَيْسَ يَمْنَعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ إِذَا اخْتَارَ أُمَّهُ .
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ حَالَةُ الْكِفَايَةِ ، فَهِيَ بَعْدَ بُلُوغِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ لِاكْتِفَائِهِمَا بِأَنْفُسِهِمَا عِنْدَ كَمَالِ التَّمْيِيزِ وَالْقُوَّةِ فَتَزُولُ الْكَفَالَةُ عَنْهُمَا بِالْبِلُوغِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ وَيَعْتَزِلَ أَبَوَيْهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَأَكْرَهُ لِلْجَارِيَةِ أَنْ تَعْتَزِلَ أَبَوَيْهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ لِئَلَّا يَسْبِقَ إِلَيْهَا ظَنُّهُ ، وَلَا تَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا تُهْمَةٌ ، وَإِنْ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى الَمُقَامِ مَعَهُمَا".
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَزُولُ الْكَفَالَةُ حَتَّى تَتَزَوَّجَ ، وَتُخَيَّرُ بَعْدَ