مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، فَقَالَ: حَكِيمٌ: لَا آخُذُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ أَبَدًا ، فَلَمَّا لَمْ تَمَنَعِ الْكَعْبَةُ مَا فِيهَا وَحُرْمَةُ الْحَرَمِ بِهَا كَانَ الْحَرَمُ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مَا فِيهِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَا فِي الْحَرَمِ أَمْوَالٌ لِمَنْ قَدِ اسْتَأْمَنُوهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالْأَمَانِ ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَا فِي الْكَعْبَةِ مَالٌ لِمُسْتَأْمَنٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالْأَمَانِ .
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَغْنَمْهَا ، وَإِنْ مَلَكَ غَنَائِمَهَا: لِأَنَّهُ عَفَا عَنْهَا ، كَمَا عَفَا عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْقِتَالِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِالْمَصْلَحَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ وَلِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْغَنَائِمِ ، إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ الْغَانِمِينَ: لِأَنَّ مِنْ حُقُوقِهِمْ ، أَلَّا تَرَاهُ لَمَّا أَرَادَ الْعَفْوَ عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ اسْتَطَابَ نُفُوسَ الْغَانِمِينَ ، حَتَّى ضَمِنَ لِمَنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِحَقِّهِ سِتَّ قَلَائِصَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ ، وَمَا اسْتَطَابَ فِي غَنَائِمِ مَكَّةَ نَفْسَ أَحَدٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُمْلَكْ لِأَجْلِ الْأَمَانِ الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ الصُّلْحُ ، فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهَا إِلَى اسْتِطَابَةِ النُّفُوسِ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} - يَنْفُذُ السَّرَايَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى مَا حَوْلَهَا مِنْ عَرَفَاتٍ وَغَيْرِهَا ، فَيَأْتُوهُ بِغَنَائِمِهَا: لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ .
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا كَانَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ يَعْتَمِدُهُ أَنَّ نَقْلَ الْمُوجِبِ يُغْنِي عَنْ نَقْلِ الْمُوجَبِ ،