فَصْلٌ: فَأَمَّا تَفْسِيرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ:"لَا أَعْرِفُ مَا أَقُولُهُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ"فَقَدْ أُنْكِرَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: لَا أَعْرِفُ مَا أَقُولُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ ، مَا أَحَدٌ بَدَأَ فِي كِتَابٍ فِي عِلْمٍ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ: لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِإِثْبَاتِ حُكْمِهِ .
وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ ، وَالظَّنُّ شَكٌّ وَالْعِلْمُ يَقِينٌ ، وَهُمَا ضِدَّانِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ؟ .
قِيلَ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَا أَعْرِفُ مَا أَقُولُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ: فَلِأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الْعِلْمِ يَفْتَحُهَا النَّقْلُ الْمَرْوِيُّ ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا ، وَبَعْضَهَا فُتِحَ عَنْوَةً .
الجزء الرابع عشر < 265 > وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي النَّقْلِ يَمْنَعُ مِنَ الْأَخْذِ بِأَحَدِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ ، فَحَسُنَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْرِفُ إِثْبَاتَ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كُنْتُ أَعْرِفُ نَقْلَ جَمِيعِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"إِلَّا بِظَنٍّ مَقْرُونٍ إِلَى عِلْمٍ"، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى فَتْحِهَا أَوْ عَلَى حُكْمِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى فَتْحِهَا أَنَّهُ عَنْوَةٌ لَا صُلْحًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ