فهرس الكتاب
مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ لَنَا ، وَالنَّظَرَ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ لَهُمْ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْنَا إِجَابَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا سَأَلُوهَا ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا إِجَابَةُ أَهْلِ الْهُدْنَةِ إِذَا سَأَلُوهَا .
وَالثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ تَحْتَ الْقُدْرَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ خِيَانَتِهِمْ ، وَأَهْلَ الْهُدْنَةِ خَارِجُونَ عَنِ الْقُدْرَةِ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ خِيَانَتِهِمْ .
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُجَامَلَةُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، فَهِيَ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَغْلَظُ مِنْهَا فِي حُقُوقِهِمْ ، فَيَلْزَمُهُمْ فِي حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَيَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيلَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَلَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكَفُّوا عَنِ الْقَبِيحِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْذُلُوا لَهُمُ الْجَمِيلَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، [ التَّوْبَةِ: 33 ] .
فَإِنْ عَدَلُوا عَنِ الْجَمِيلِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، فَكَانُوا يُكْرِمُونَ الْمُسْلَمِينَ ، فَصَارُوا يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ، وَكَانُوا يُضَيِّفُونَ الرُّسُلَ ، وَيَصِلُونَهُمْ ، فَصَارُوا يَقْطَعُونَهُمْ ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ كِتَابَ الْإِمَامِ ، فَصَارُوا يَطْرَحُونَهُ ، وَكَانُوا يَزِيدُونَهُ فِي الْخِطَابِ ، فَصَارُوا يَنْقُصُونَهُ ، فَهَذِهِ رِيبَةٌ لِوُقُوفِهَا بَيْنَ شَكَّيْنِ: لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَ الْهُدْنَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهَا نَقْضَهَا ، فَيَسْأَلُهُمُ الْإِمَامُ عَنْهَا ، وَعَنِ السَّبَبِ فِيهَا ،