إِكْذَابُ نَفْسِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ ، أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَإِنِّي كَاذِبٌ فِي قَذْفِي لَهُ بِالزِّنَى ، وَقَدْ رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} قَالَ:"تَوْبَةُ الْقَاذِفِ إِكْذَابُهُ نَفْسَهُ".
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ إِكْذَابَهُ نَفْسَهُ أَنْ يَقُولَ: قَذْفِي لَهُ بِالزِّنَى كَانَ بَاطِلًا وَلَا يَقُولُ: كُنْتُ كَاذِبًا فِي قَذْفِي ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا ، فَيَصِيرُ عَاصِيًا بِكَذِبِهِ ، كَمَا كَانَ عَاصِيًا بِقَذْفِهِ ، وَهَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ فِي التَّوْبَةِ: وَلَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ أَوْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، لِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ مِثْلِهِ يُغْنِي عَنْهُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ لَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهِ ، لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ التَّوْبَةِ مُعْتَبَرٌ ، وَالْعَزْمُ لَيْسَ بِقَوْلٍ ، وَإِذَا كَانَتِ التَّوْبَةُ مِنَ الْقَذْفِ مُعْتَبَرَةً بِهَذِهِ الشُّرُوطِ ، فَالْقَذْفُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: قَذْفُ نَسَبٍ ، وَقَذْفُ شَهَادَةٍ .
وَأَمَّا قَذْفُ النَّسَبِ ، فَلَا يَخْلُو حَالُ التَّائِبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَذْفِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِلَّا بِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ ، وَصَلَاحِ عَمَلِهِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ