أَنْ نَقْصَ الرِّقِّ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِنْ قَبُولِهَا - نَقْصُ الْكَفْرِ ، وَلِهَذِهِ الْمَعَانِي مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اعْتِبَارًا بِنَقْصِ الْكَفْرِ ، فَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ .
وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قِيَاسَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا شَهَادَةٌ يَمْنَعُ مِنْهَا الرِّقُّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا الْكُفْرُ ، قِيَاسًا عَلَى شَهَادَةِ الْوَثَنِيِّ .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَهَادَةٌ يَمْنَعُ مِنْهَا كُفْرُ الْوَثَنِيِّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهَا كُفْرُ الْكِتَابِيِّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ .
فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ فَسَنَذْكُرُ مِنِ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا مَا يَتَكَافَأُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ [ الْمَائِدَةِ: ] ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا الشَّهَادَةُ بِالْحُقُوقِ عِنْدَ الْحُكَّامِ .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَهَادَةُ الْحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا أَيْمَانٌ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ ، أَيْمَانُ بَيْنِكُمْ ، فَعَبَّرَ عَنِ الْيَمِينِ بِالشَّهَادَةِ ، كَمَا قَالَ فِي أَيْمَانِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ [ النُّورِ: ] ، فَلَا يَكُونُ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا دَلِيلٌ إِلَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، وَيَمْنَعُهُ التَّأْوِيلَانِ الْآخَرَانِ مِنْهُمَا ، وَلَا يَكُونُ لِدَاوُدَ فِيهَا دَلِيلٌ إِلَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي ، وَيَمْنَعُهُ التَّأْوِيلَانِ الْآخَرَانِ فِيهِمَا .
الجزء السابع عشر < 64 > وَفِي قَوْلِهِ: اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [