فَصْلٌ: وَعَارَضَهُمُ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْفَصْلِ الْخَامِسِ ، فَقَالَ: وَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَهُمْ غَيْرُ الَّذِينَ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ ، وَرَدَدْتُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ} فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ؟ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ، [ الْبَقَرَةِ: ] .
وَلَيْسَ الْكَفَّارُ بِمَرْضِيِّينَ ، وَلَا يَجْعَلُونَهُ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ ، وَيَجْعَلُونَ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلنَّصِّ ، مُخَالِفًا لِلنَّصِّ ، فَأَجَابُوهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ أَنْ قَالُوا: إِنَّمَا أَجَزْنَا شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ" [ الْمَائِدَةِ: ] ."
فَأَبْطَلَ جَوَابَهُمْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ قَالَ: سَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى بِقَوْلِهِ:"مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ"وَلَئِنْ تَرَدَّدَ التَّأْوِيلُ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دَيْنِكُمْ ، وَمِنْ غَيْرِ أَهْلِ قِبْلَتِكُمْ فَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْقَبِيلَةِ ، لِمُوافَقَةِ النَّصِّ - أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الدَّيْنِ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ مَعَ قَوْلِهِ: تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ [ الْمَائِدَةِ: ] .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْعَرَبِ ، وَكُفَّارُهُمْ مُشْرِكُونَ لَا يَقْبَلُ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَتَهُمْ ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْكِتَابِ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ لِمُسْلِمٍ ،