فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ الْبَيِّنَةِ ، فَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ مَعَ عَدَمِهَا ؟ قِيلَ: لِلْمُدَّعِي عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِاسْتِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَلَاثُ أَحْوَالٍ: الجزء السابع عشر < 135 > أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ لِي بَيِّنَةٌ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا لِغَيْبَةٍ أَوْ عُذْرٍ ، فَيُسْتَحْلَفُ خَصْمُهُ ، ثُمَّ تُحْضَرُ بَيِّنَتُهُ ، فَتُسْمَعُ .
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ ، وَأَنَا أَطْلُبُ إِحْلَافَ خَصْمِي ، فَلَا يُمْنَعُ مِنِ اسْتِحْلَافِهِ ، وَلَا مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ لَا يُجْبَرُ عَلَى إِقَامَتِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى طَلَبِ الْيَمِينِ ، إِمَّا لِيَنْزَجِرَ بِهَا ، فَيُقِرَّ ، وَإِمَّا لِيَحْتَقِبَ بِهَا وِزْرًا .
فَإِذَا لَمْ يُزْجَرْ بِهَا عَنِ الْإِنْكَارِ جَازَ أَنْ يُقِيمَ الْحُجَّةَ بِبَيِّنَتِهِ ، وَيُظْهِرَ بِهَا صِدْقَ الدَّعْوَى ، وَكَذِبَ الْإِنْكَارِ ، وَحِنْثَ الْيَمِينِ .
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ ، وَأَنَا أَطْلُبُ الْيَمِينَ ، لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، فَإِذَا أَقَامَهَا بَعْدَ إِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَبُولِهَا .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ ، لِأَنَّ فِي إِنْكَارِ الْبَيِّنَةِ حَرَجًا لِمَنْ يَشْهَدُ بِهَا ، وَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ قَدْ جَحَدَهَا .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ تُنْسَى الْبَيِّنَةُ ثُمَّ يَذْكُرُهَا ،