وَرُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَقَالُوا: قَدْ كَثُرَ عِنْدَنَا الْخَيْلُ وَالرَّقِيقُ فَزَكِّهِ لَنَا ، فَقَالَ: لَا آخُذُ شَيْئًا لَمْ يَأْخُذْهُ صَاحِبَايَ ، وَسَأَسْتَشِيرُ .
فَاسْتَشَارَهُمْ فَقَالُوا: حَسَنٌ ، وَعَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَاكِتٌ ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ تَكُنْ جِزْيَةً رَاتِبَةً مِنْ بَعْدِكَ ، الجزء الثالث < 193 > فَأَخَذَ عُمَرُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَرَزَقَهُ جَرِيبَيْنِ ، وَمِنْ كُلِّ فَرَسٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَرَزَقَهُ عَشْرَةَ أَجْرِبَةٍ شَعِيرًا .
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فَأَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُمْ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَمْ تَكُنْ جِزْيَةً ، ثُمَّ صَارَ جِزْيَةً رَاتِبَةً فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَلَا يُعْطَوْنَ .
فَالدَّلَالَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَبَدْأَهُمْ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَأْخُذْ صَاحِبَايَ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَأَخَذَاهَا .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ اسْتَشَارَ ، وَلَوْ كَانَ نَصٌّ مَا اسْتَشَارَ .
وَالرَّابِعُ: أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: إِنْ أَمِنْتَ أَنْ لَا تَكُونَ جِزْيَةً رَاتِبَةً فَافْعَلْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَانَتْ رَاتِبَةً .
وَالْخَامِسُ: أَنَّ عُمَرَ أَعْطَاهُمْ فِي مُقَابَلَتِهَا رِزْقًا ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا .
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: أَنْ يُقَالَ: كُلُّ جِنْسٍ مِنَ الْحَيَوَانِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذُكُورِهِ إِذَا انْفَرَدَتْ لَا تَجِبُ فِي ذُكُورِهِ وَإِنَاثِهِ كَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ ، وَعَكْسُهُ