إِمَّا بِصَنْعَةٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ وَنَحْوِهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ تَعَلَّقَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا [ الْحَجِّ: ] ، وَقُرِئَ ( رِجَّالًا ) مُشَدَّدًا أَيْ مُشَاةً ، وَلَهُ يَأْتُوكَ مَعْنَاهُ لِيَأْتُوكَ رِجَالًا ، فَأَخْبَرَ بِإِيجَابِ الْحَجِّ عَلَى الْمُشَاةِ ، وَالرُّكْبَانِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ: ] وَذَلِكَ عَلَى عُمُومِ الظَّاهِرِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْأَبْدَانِ يَجِبُ عَلَى الجزء الرابع < 8 > الْأَعْيَانِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ الْمَالُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ: ] وَفِيهَا دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ .
وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْبَيَانِ ، فَأَمَّا الِاسْتِنْبَاطُ فَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ إِذَا وَرَدَ مُطْلَقًا كَانَتِ الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَائِهَا شَرْطًا فِي وُجُوبِهَا ، فَلَمَّا ضَمَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِطَاعَةِ قَدْ عَلَّمَنَا أَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى غَيْرِ مُسْتَطِيعٍ لَا يَجُوزُ دَلَّ عَلَى أَنَّ انْضِمَامَ ذَلِكَ لِفَائِدَةٍ ، وَهُوَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، وَأَمَّا الْبَيَانُ ، فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ، [ آلِ عِمْرَانَ: ] ، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا السَّبِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ فَصَارَ هَذَا بَيَانًا مِنْهُ