أما مايفعله بعض الناس اليوم من صراخ، وعويل، ونحيب؛ فهو خروج عن الطريق القويم . ولا يظن ظان أننا نعمم الحكم حاشا وكلا !، بل نقول منهم صادقون ومنهم غير ذلك . والعجيب من المتكلفة أنهم يسكبون العبرات تلو العبرات عند سماع دعاء الامام في القنوت، ولكن لاتكاد تخرج دمعة من محاجرهم عند سماع كلام الله وآياته ! . ونقول لهؤلاء المتكلفة رويدكم، فأكمل الناس حالًا هم الذين وصفهم الله في كتابه: { الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } .وأكمل الناس حالًا من كان كحال النبي صلى الله عليه وسلم فإن بكاءه له أزيز كأزيز المرجل .
لكن قد يحتج علينا بأن بعض السلف، قد صُعقوا أو ماتوا من جراء تلاوة القرآن أو سماعه . والجواب عن ذلك أن يقال: إننا لاننكر حدوث ذلك من بعض السلف من التابعين ومن بعدهم، ولكن لم يعهد هذا في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، وسبب ذلك أن الوارد كان قويًا وصادفت محلًا ضعيفًا وهو قلوبهم فلم تحتمله وحصل منهم ماحصل، فهم صادقون فيما انتابهم وهم أيضًا معذورون .
قال ابن مفلح: وكان هذا الحال يحصل كثيرًا للإمام علمًا وعملًا-شيخ الإمام أحمد- يحيى بن القطان. وقال الإمام أحمد: لو دفع ، أو لو قدر أحدٌ أن يدفع هذا عن نفسه دفعه يحيى. وحدث ذلك لغير هؤلاء، فمنهم الصادق في حاله ومنهم غير ذلك، ولعمري إن الصادق منهم عظيم القدر، لأنه لولا حضور قلب حيِّ، وعلمُ معنى المسموع وقدره، واستشعار معنىً مطلوب يُتلمح منه، لم يحصل ذلك، ولكن الحال الأول أكمل، فإنه يحصل لصاحبه ما يحصل لهؤلاء وأعظم، مع ثباته وقوة جنانه، رضي الله عن الجميع (1) .
(1) . الآداب الشرعية (2/305)