علمك، كما قال الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلََاقُوا رَبِّهِمْ} [1] .
فإن قيل: إنّ «يظنّون» هاهنا «يوقنون» . فهكذا هو، ولكنّها في الثبات في الظنّ وفي إعمالها على الوجه الآخر. إلّا أنّها إذا أريد بها العلم، لم تكن إلّا مثقّلة. فإن أريد بها الشكّ، جاز الأمران جميعا. والتثقيل في الشكّ أكثر استعمالا لثباته في الظنّ كثبات الأخرى في العلم.
فأما الوجه الذي يجوز فيه الخفيفة، فإنّه متوقّع غير ثابت المعرفة. قال الله عزّ وجلّ:
{تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهََا فََاقِرَةٌ} [2] .
وأمّا {إِنْ ظَنََّا أَنْ يُقِيمََا حُدُودَ اللََّهِ} [3] وقولهم: معناه: أيقنا فإنّما هو شيء متوقّع، الأغلب فيه ذا، إلّا أنّه علم ثابت ألّا تراه قال: {فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا} [4] لمّا كان أيقنوا.
* * * واعلم أنّ «لا» إذا دخلت على «أن» ، جاز أن تريد ب «أن» الثقيلة، وأن تريد الخفيفة.
فإن أردت الثقيلة، رفعت ما بعدها لأنّه لا يحذف منها التثقيل إلّا مع الإضمار. وهذا يبيّن لك في باب «إنّ وأنّ» . وإنّما تقع الخفيفة والثقيلة على ما قبلها من الأفعال، لا يجوز الإضمار إلّا أن تأتي بعوض.
والعوض: «لا» ، أو «السين» ، أو «سوف» ، أو نحو ذلك ممّا يلحق الأفعال.
فأمّا «لا» وحدها، فإنّه يجوز أن تريد ب «أن» التي قبلها الخفيفة، وتنصب ما بعدها لأنّ «لا» لا تفصل بين العامل والمعمول فيه [5] ، تقول: «مررت برجل لا قائم ولا قاعد» كما تقول: «مررت برجل قائم وقاعد» . وذلك قولك: «أخاف ألّا تذهب يا فتى» ، و «أظنّ ألّا تقوم يا فتى» كما قال: {إِلََّا أَنْ يَخََافََا أَلََّا يُقِيمََا حُدُودَ اللََّهِ} [6] .
وفي «ظننت» وبابها تكون الخفيفة والثقيلة كما وصفت لك. قال الله عزّ وجلّ:
{وَحَسِبُوا أَلََّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [7] و «أن لا تكون» ، فالرفع على: «أنّها لا تكون فتنة» .
(1) البقرة: 46.
(2) القيامة: 25.
(3) البقرة: 230.
(4) الكهف: 53.
[5] أي: لا تمنع ما قبلها من أن يعمل فيما بعدها.
(6) البقرة: 229.
(7) المائدة: 71.