وإنّما تفسير هذا: أنّك أضمرت الفعل بينها وبين الاسم، فتقديره: إن أمكنني الله من زيد، وإن خرب معمورها. ولكنّه أضمر هذا، وجاء بالفعل الظاهر تفسير ما أضمر، ولو لم يضمر لم يجز لأنّ الجزاء لا يكون إلّا بالفعل. وإنّما احتملت «إن» هذا في الكلام، لأنّها أصل الجزاء كما تحتمل الألف في الاستفهام تقديم الاسم في نحو قولك: «أزيد قام» ؟
لأنّها أصل الاستفهام. ولو قلت: «هل زيد قام» ؟ لم يصلح إلّا في الشعر لأنّ السؤال إنّما هو عن الفعل، وكذلك: «متى زيد خرج» ؟ و «أين زيد قام» ؟ وجميع حروف الاستفهام غير ألف الاستفهام لا يصلح فيهنّ إذا اجتمع اسم وفعل إلّا تقديم الفعل، إلّا أن يضطرّ الشاعر.
والفعل في الجزاء أوجب لأنّ الجزاء لا يكون إلّا بالفعل، والاستفهام قد يكون عن الأسماء بلا فعل، تقول: «أزيد أخوك» ؟ «أزيد في الدار» ؟ ولا يكون مثل هذا في الجزاء وسائر حروف الجزاء سوى «إن» . لا يجوز فيها هذا في الكلام ولا في «إن» ، إذا جزمت. لا تقول: «من زيد يأته يكرمه» ، ولا «إن زيد يأتني آته» ، ولا «أين زيد أتاني أتيته» ، ولا «من زيد أتاه أكرمه» . فإن اضطرّ شاعر، جاز فيهنّ الفصل، جزمن أو لم يجزمن.
وجاز ذلك في حروف الجزاء دون سائر عوامل الأفعال لأنّه يقع بعدهنّ المستقبل والماضي. ولا يكون ذلك في غيرهنّ من العوامل. فلمّا تمكّنّ هذا التّمكّن، احتملن الإضمار والفصل.
فممّا جاء في الشعر قوله [من الرمل] :
[139] صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميّلها تمل
[139] التخريج: البيت لكعب بن جعيل في خزانة الأدب 3/ 47والدرر 5/ 79وشرح أبيات سيبويه 2/ 196والمؤتلف والمختلف ص 84وله أو للحسام بن ضرار في المقاصد النحويّة 4/ 424 وبلا نسبة في خزانة الأدب 9/ 38، 39، 43وشرح الأشموني 3/ 580وشرح المفصل 9/ 10والكتاب 3/ 113ولسان العرب 4/ 223 (حير) وهمع الهوامع 2/ 59.
اللغة: الصعدة: القناة التي تنبت مستوية. الحائر: المكان الذي يكون وسطه منخفضا وحروفه مرتفعة عالية.
المعنى: شبه امرأة بقناة مستوية لدنة قد نبتت في مكان مطمئن الوسط مرتفع الجوانب والريح تعبث بها وهي تميل مع الريح.
الإعراب: «صعدة» : خبر لمبتدأ محذوف، مرفوع بالضمة. «نابتة» : صفة مرفوعة بالضمة. «في حائر» : جار ومجرور بالكسرة متعلقان ب «نابتة» . «أينما» : اسم شرط جازم مبني على السكون في محل