أحدهما: أنّك تزعم أنّ الإعراب معنى، وليس بلفظ، فهذا خلاف ما أعطيته في الواحد.
والشيء الآخر: أنّك تعلم أن أوّل أحوال الاسم الرفع. فأوّل ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها، فقد وجب ألّا يكون فيها في موضع الرفع إعراب لأنّه لا انقلاب معها.
وقولنا: دليل على الإعراب، إنّما هو أنّك تعلم أنّ الموضع موضع رفع، إذا رأيت الألف، وموضع خفض ونصب، إذا رأيت الياء، وكذلك الجمع بالواو والنون إذا قلت:
«مسلمون» ، و «مسلمين» . وكذلك ما كان المفهم لموضعه حرفا، نحو قولك: «أخوك» ، و «أخاك» ، و «أخيك» ، و «أبوك» ، و «أباك» ، و «أبيك» ، و «ذو مال» ، و «ذا مال» ، و «ذي مال» ، وجميع هذه التي يسمّيها الكوفيّون معربة من مكانين. لا يصلح في القياس إلّا ما ذكرنا.
والزائدة الثانية «النون» إنّما هي بدل ممّا كان في الواحد من الحركة والتنوين، وقد مضى القول في هذا.
* * * واعلم أنّك إذا ذكرت الواحد، فقلت: «رجل» ، أو «فرس» ، أو نحو ذلك، فقد اجتمع لك فيه معرفة العدد ومعرفة النوع.
إذا ثنّيت فقلت: «رجلان» ، أو «فرسان» ، فقد جمعت العدد والنوع. وإذا قلت:
«ثلاثة أفراس» لم يجتمع لك في «ثلاثة» العدد والنوع، ولكنّك ذكرت العدّة، ثمّ أضفتها إلى ما تريد من الأنواع.
وكان قياس هذا أن تقول: «واحد رجال» ، و «اثنا رجال» . ولكنّك أمكنك أن تذكر الرجل باسمه، فيجتمع لك فيه الأمران. ولمّا كانت التثنية التي هي لضرب واحد من العدد، أمكنك ذلك من لفظ الواحد، فقلت: «رجلان» ، و «غلامان» ، ولم يحسن ذلك في الجمع، لأنّه غير مخطور، ولا موقوف على عدّة، ولا يفصل بعضه من بعض.
ولو أراد مريد في التثنية ما يريده في الجمع، لجاز ذلك في الشعر لأنّه كان الأصل، لأنّ التثنية جمع [1] . وإنّما معنى قولك: «جمع» : أنّه ضمّ شيء إلى شيء.
[1] الجمع في اللغة ما دلّ على اثنين فصاعدا، بخلاف الجمع في اصطلاح النحاة، إذ هو عندهم يدلّ على ثلاثة فأكثر. وللغويين شواهد كثيرة على دلالة الجمع على اثنين، ومنه قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبََا إِلَى اللََّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا} [التحريم: 4] .