فالظروف إنّما هي هذه على الحقيقة. فما جاء منها مؤنّثا بغير علامة: «قدّام»
و «وراء» ، وتصغيرهما: «قديديمة» و «وريّئة» .
فإن قلت: فما لهاتين لحقت كلّ واحدة منهما الهاء، وليستا من الثلاثة؟
قيل: لأنّ الباب على التذكير. فلو لم يلحقوهما الهاء، لم يكن على تأنيث واحد منهما دليل. قال القطامي [من الطويل] :
[226] قديديمة التّجريب والحلم، إنّني ... أرى غفلات العيش قبل التّجارب
وقال الآخر [من البسيط] :
[227] [وقد علوت قتود الرّحل يسفعني] ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم
[226] التخريج: البيت للقطامي في ديوانه ص 44وخزانة الأدب 7/ 86واللمع في العربية ص 303ولسان العرب 12/ 466 (قدم) وبلا نسبة في شرح المفصل 5/ 128وما ينصرف وما لا ينصرف ص 70.
اللغة: قديديمة: تصغير قدّام، وروى البيت بنصب (قديديمة) ، والمراد أنّه علّق النساء، وعلقته قبل التجارب واتزان العقل، والغفلات هنا ملذات الحياة، والتجارب تعني هنا الكبر.
المعنى: يريد أنّه استمتع بتعلقه بالنساء، واستمتعن بالتعلق به قبل أن يطعن في السن، ويتزن عقله، ويزهد فيهن لكبره.
الإعراب: قديديمة: مفعول فيه ظرف زمان منصوب بدل من الظرف (لدن) في البيت الذي قبل الشاهد، ورأى البغدادي أن العامل في (قديديمة) محذوف دلّ عليه السياق كأن يكون التقدير: تظن طيب العيش قديديمة التجريب، هذا كلّه على نصب (قديديمة) أمّا رفعها فلم يشر إليه البغدادي، ولا يتجه إعرابيا إلا بتكلف بعيد. التجريب: مضاف إليه. والحلم: «الواو» : حرف عطف، «الحلم» : معطوف على (التجارب) . إنني: حرف مشبه بالفعل، و «الياء» : اسمه. أرى: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر وجوبا تقديره (أنا) . غفلات: مفعول به أول منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم. العيش: مضاف إليه. قبل: مفعول فيه ظرف زمان منصوب متعلق بالمفعول الثاني ل (أرى) ، والتقدير: أرى غفلات العيش حاصلة قبل التجارب. التجارب: مضاف إليه.
وجملة «إنني أرى» : استئنافية لا محل لها. وجملة «أرى» خبر (إن) محلها الرفع.
والشاهد فيه: أن (قدّام) ظرف إذا صغّر أنثه العرب بالهاء، وهذا شاذ لأن (قدّام) رباعي، والهاء في التصغير لا تدخل إلا على الثلاثي إذا كان مؤنثا.
[227] التخريج: البيت لعلقمة بن عبدة في ديوانه ص 73وشرح شواهد الإيضاح ص 349.
اللغة: قتود: جمع مفرده قتد، وهو خشب الرحل. وسفعه يوم مسموم، أي لفحه حرّه الذي تفذفه على الوجه السموم وهي ريح. والجوزاء: برج من أبراج السماء.
المعنى: يريد أنّه رحل على بعيره في هذا اليوم.