فأمّا «من» ، فإنّه لا يعنى بها في خبر ولا استفهام ولا جزاء إلّا ما يعقل. لا تقول في جواب «من عندك» ؟: «فرس» ولا «متاع» ، إنّما تقول: «زيدا» أو «هند» . قال الله عزّ وجلّ:
{فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ} [1] وقال عزّ وجلّ يعني الملائكة: {وَمَنْ عِنْدَهُ لََا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبََادَتِهِ} [2] وقال جلّ اسمه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمََاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [3] .
* * * فأمّا «ما» ، فتكون لذوات غير الآدميين، ولنعوت الآدميّين. إذا قال: «ما عندك» ؟
قلت: «فرس» ، أو «بعير» ، أو «متاع» أو نحو ذلك. ولا يكون جوابه «زيد» ولا «عمرو» .
ولكن يجوز أن يقول: «ما زيد» ؟ فتقول: «طويل» ، أو «قصير» ، أو «عاقل» ، أو «جاهل» .
فإن جعلت الصفة في موضع الموصوف على العموم، جاز أن تقع على ما يعقل.
ومن كلام العرب: «سبحان ما سبّح الرعد بحمده، وسبحان ما سخّركنّ لنا» .
وقال عزّ وجلّ: {وَالسَّمََاءِ وَمََا بَنََاهََا} [4] . فقال قوم: معناه: «ومن بناها» . وقال آخرون: إنّما هو: «والسماء وبنائها» . كما تقول: «بلغني ما صنعت» ، أي صنيعك لأنّ «ما» إذا وصلت بالفعل، كانت مصدرا.
وكذلك قوله عزّ وجلّ: {إِلََّا عَلى ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ} [5] قال قوم:
معناه: أو ملك أيمانهم. وقال آخرون: بل هو: أو من.
فأمّا «أيّ» و «الذي» فعامّتان، تقعان على كلّ شيء على ما شرحته لك في «أيّ» خاصّة.
وجملة «فإن عاهدتني نكن مثل» : استئنافية. وجملة «لا تخونني» : في محل نصب حال. وجملة «نكن» : جواب شرط لا محل لها لعدم الاقتران بالفاء أو إذا، وجملة «عاهدتني» : جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها.
والشاهد فيه قوله: «من يصطحبان» حيث جاء ب «من» حاملا على المعنى لا اللفظ المثنى.
(1) الكهف: 110.
(2) الأنبياء: 19.
(3) الملك: 16.
(4) الشمس: 5.
(5) المؤمنون: 6.