واعلم أنّ للقسم تعويضات من أدواته تحلّ محلّها، فيكون فيها ما يكون في أدوات القسم، وتعتبر ذلك بأنّك لا تجمع بينها وبين ما هي عوض منه. فإن جاز الجمع بين شيئين، فليس أحدهما عوضا من الآخر ألا ترى أنّك تقول: «عليك زيدا» ، وإنّما المعنى: خذ زيدا، وما أشبهه من الفعل. فإن قلت: «عليك» ، لم تجمع بينها وبين فعل آخر، لأنّها بدل من ذلك الفعل.
* * * فمن هذه الحروف «الهاء» التي تكون للتنبيه. تقول: «لاها الله ذا» ، وإن شئت قلت:
«لا هلّله ذا» . فتكون في موضع الواو إذا قلت: «لا والله» .
فأمّا قولك: «ذا» فهو الشيء الذي تقسم به، فالتقدير: لا والله هذا ما أقسم به، فحذفت الخبر لعلم السامع به.
فأمّا مدّتها وإجراء المدغم بعدها في قولك: لا هالله ذا، فإنّك أتيت ب «ها» التي للتنبيه، وثبتت الألف لأنّ حروف المدّ يقع بعدها الساكن المدغم. وتكون المدّة عوضا من الحركة لأنّك ترفع لسانك عن المدغم رفعة واحدة. وقد مضى تفسير هذا. فيكون كقولك: «دابّة» ، و «شابّة» ، و «رادّ» وما أشبهه.
وأمّا قولك: «لا هلّله ذا» ، فإنّك حذفت الألف من هاء التنبيه، لمّا وصلتها، وجعلتها عوضا من الواو كما فعلت ذلك بها في هلمّ. و «ها» هذه، هي التي تلحق في قولك:
«هذا» . قلنا المعنى: لا والله هذا ما أقسم به لأنّها للتنبيه، فالتنبيه يقع قبل كلّ ما نبّهت عليه. كما قال الشاعر [من البسيط] :
[242] تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما ... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
[242] التخريج: البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 182وخزانة الأدب 5/ 451، 10/ 41، 42والدرر 1/ 238وشرح أبيات سيبويه 2/ 246ولسان العرب 10/ 442 (سلك) ، 15/ 481 (ها) وبلا نسبة في خزانة الأدب 11/ 194وهمع الهوامع 1/ 76.
اللغة: تعلّم: اعلم، وهو أمر جامد. واقصد بذرعك: كن قصيدا في أمرك، ولا تتعد حدودك.
وتنسلك: تدخل.
المعنى: يخاطب الشاعر الحارث بن ورقاء الصيداوي الذي كان قد أغار على قومه، وأخذ إبلا له وعبدا، فتوعده بالهجاء إن لم يرد عليه ما أخذه، يقول له: اعلم أنني أقسمت أن أهجوك إن لم ترد ما أخذته، فالزم حدودك، واعرف أين تضع نفسك.