واحتجّ هؤلاء بأنّك لا تقول: «أنّك منطلق بلغني» أو «علمت» .
فقيل لهم: هي لا تتقدّم إلّا مكسورة، وإنّما كانت هاهنا بعد الواو منصوبة، لأنّ المعنى معنى اللام كما تقول: «جئتك ابتغاء الخير» ، فتنصب والمعنى معنى اللام، وكذلك قال الشاعر [من الطويل] :
[252] وأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما
فإذا قلت: «جئتك أنّك تحبّ المعروف» ، فالمعنى معنى اللام، فعلى هذا قدّمت، وهذا قد مرّ. فهذا قول الخليل.
والموضع الآخر للمكسورة: أن تدخل اللام في الخبر. وقد مضى قولنا في هذا لأنّ اللام تقطعها ممّا قبلها، فتكون مبتدأة. فهذا ممّا ذكرت لك أنّها ترجع إلى الابتداء.
والموضع الثالث: أن تقع بعد القول حكاية، فتكون مبتدأة. كما تقول: «قال زيد:
عمرو منطلق»، و «قلت: الله أكبر» . وقد مضى هذا في باب الحكاية.
فعلى هذا تقول: «قال زيد: إنّ عمرا منطلق» ، و «قال عبد الله: إنّك خير منه» . من
[252] التخريج: البيت لحاتم الطائي في ديوانه ص 224وخزانة الأدب 3/ 123، 124وشرح أبيات سيبويه 1/ 45وشرح شواهد المغني 2/ 952وشرح المفصل 2/ 54والكتاب 1/ 368ولسان العرب 4/ 615 (عور) واللمع ص 141والمقاصد النحويّة 3/ 75ونوادر أبي زيد ص 110وبلا نسبة في أسرار العربية ص 187وخزانة الأدب 3/ 115والكتاب 3/ 126ولسان العرب 7/ 24 (خصص) .
اللغة: العوراء: الكلمة القبيحة. الادّخار: جعل الشيء ذخيرة. أعرض: ابتعد.
المعنى: إذا جهل عليّ الكريم غفرت له، واحتملته، وإذا شتمني اللئيم ابتعدت عن شتمه إكراما لنفسي.
الإعراب: «وأغفر» : الواو: بحسب ما قبلها، «أغفر» : فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنا» . «عوراء» : مفعول به، وهو مضاف. «الكريم» : مضاف إليه. «ادّخاره» : مفعول لأجله، وهو مضاف، والهاء ضمير في محلّ جرّ بالإضافة. «وأعرض» : الواو: حرف عطف، «أعرض» : فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره: «أنا» . «عن شتم» : جار ومجرور متعلّقان ب «أعرض» . وهو مضاف. «اللئيم» :
مضاف إليه. «تكرّما» : مفعول لأجله.
وجملة «أغفر» : بحسب ما قبلها. وجملة «أعرض» : معطوفة على سابقتها.
الشاهد فيه قوله: «ادّخاره» حيث وقع مفعولا لأجله مع كونه مضافا، ويجوز فيه الجرّ على تقدير اللام.