لا يكون الخبر إلّا مرفوعا لما ذكرت لك. قال زهير [من البسيط] :
[257] ما إن يكاد يخلّيهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إنّ الأمر مشترك
وقال الآخر [من الوافر] :
وما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا [1]
فإن قال قائل: فما بالها لمّا خفّفت من الثقيلة المكسورة، اختير بعدها الرفع، ولم يصلح ذلك في المخفّفة من المفتوحة إلّا أن ترفع على أن يضمر فيها؟
قيل: لأنّ المفتوحة وما بعدها مصدر، فلا معنى لها في الإبتداء، والمكسورة، إنّما دخلت على الابتداء وخبره، فلمّا نقصت عن وزن الفعل، رجع الكلام إلى أصله.
ومن رأى النصب بها أو بالمفتوحة مع التخفيف قال: هما بمنزلة الفعل، فإذا خفّفتا، كانتا بمنزلة فعل محذوف منه، فالفعل يعمل محذوفا عمله تامّا. فذلك قولك: «لم يك زيد منطلقا» ، فعمل عمله والنون فيه. والأقيس الرفع فيما بعدها، لأنّ «إنّ» إنّما أشبهت الفعل باللفظ لا بالمعنى، فإذا نقص اللفظ، ذهب الشبه. ولذلك الوجه الآخر وجه من القياس كما ذكرت لك.
وكان الخليل يقرأ {إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ} [2] ، فيؤدّي خطّ المصحف، ومعنى «إنّ» الثقيلة في قراءة ابن مسعود {إِنْ هََذََانِ لَسََاحِرََانِ} .
[257] التخريج: البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 165والخصائص 2/ 283ولسان العرب 13/ 35 (أتن) وبلا نسبة في الخصائص 1/ 110، 3/ 108.
اللغة: لوجهتهم: لطريقهم. تخالج الأمر: اختلاف الآراء فيه، والأمر المشترك، هو الأمر الذي لا يجتمع فيه على رأي واحد.
المعنى: يريد أن القوم مضطربون في رحلتهم هذه، فقد أقلقهم أمر لم يجتمعوا فيه على رأي واحد.
الإعراب: ما: نافية. إن: زائدة. يكاد: فعل مضارع ناقص. يخليهم: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، و «الهاء» : مفعول به، و «الميم» : علامة جمع الذكور العقلاء. لوجهتهم: جار ومجرور متعلقان ب (يخليهم) ، و «الهاء» : مضاف إليه، و «الميم» : علامة جمع الذكور العقلاء. تخالج: اسم (يكاد) ، أو فاعل ل (يخليهم) على ما يعرف بالتنازع. الأمر: مضاف إليه. إنّ: حرف مشبه بالفعل. الأمر: اسم (إنّ) منصوب. مشترك: خبر (إنّ) مرفوع.
وجملة «ما يكاد يخليهم تخالج الأمر» : ابتدائية لا محل لها. وجملة «يخليهم» : خبر (يكاد) محلها النصب. وجملة «إنّ الأمر مشترك» : استئنافية لا محل لها.
والشاهد فيه قوله: (ما إن يكاد) حيث زيدت (إن) بعد (ما) النافية.
[1] تقدّم بالرقم 18.
(2) طه: 63.