وإنّما يجب إذا تعدّى الظنّ إلى المفعول الأوّل أن يتّصل بالثاني لأنّ الأوّل والثاني في محلّ الابتداء، وخبره. فالأوّل مذكور ليردّ إليه ما استقرّ له عند القائل من يقين أو شكّ.
ألا ترى أنّ قولك «ظننت زيدا منطلقا» ، إنما وقع الشك في «الانطلاق» ، والتقدير:
«زيد منطلق في ظنّي» . وقد مضى هذا مفسّرا في أوّل الكتاب. وإنّما ذكرنا هاهنا منه شيئا ليصل به الإخبار عنه إن شاء الله.
إذا قال القائل: «ضربت وضربني زيدا» ، يريد: ضربت زيدا وضربني، فإنّ الإخبار عن التاء في قول جميع النحويّين، إلّا أنّ أبا عثمان المازنيّ يقول في هذا الباب قولا لم يقله قبله أحد، وقوله صحيح يتبيّنه من سمعه، ويعلم أنّ ما كان اصطلاحا.
يقول النحويّون إذا أخبروا عن التاء في «ضربت وضربني زيدا» : «الضارب زيدا والضاربه هو أنا» لأنّ التقدير: ضربت زيدا، وضربني. فلمّا قلت: «الضارب زيدا» ، كانت الألف واللام لك، والفعل لك، فجرى الفعل صلة لنفسه، فلم يحتج إلى إظهار ما بعده، وقلت: «والضاربه هو» لأنّ الألف واللام لك. والفعل ل «زيد» ، فجرى الفعل على غير من هو له، فأظهرت الفاعل.
فإن أخبرت عن «زيد» ، قلت: «الضاربه أنا» ، و «الضاربي زيد» ، أظهرت نفسك لأنّ الفعل لك، والألف واللام ل «زيد» .
فإن قلت: «ضربت وضربني زيد» ، فإن أخبرت عن نفسك قلت: «الضارب زيدا، والضاربه هو أنا» . فذكرت «زيدا» مع الفعل الأوّل ولم يكن الفعل من قبل الإخبار عنه متعدّيا في اللفظ، فجعلته بمنزلته في المسألة الأولى.
فإن أخبرت عن «زيد» فإنّ بين النحويّين فيه اختلافا:
يقول قوم: «الضاربه أنا والضاربي زيد» ، ويقولون: ذكرنا الفعل غير متعدّ، ولابدّ أن نعدّيه في الإخبار عنه ليرجع الضمير إلى الألف واللام، وإلّا لم يكن في صلة «الذي» ما يرجع إليه.
وقال آخرون: تقول: «الضارب أنا والضاربي زيد» ، فلا تذكر في «الضارب» شيئا.
فيقال لهم إن لم تريدوا الهاء، فالكلام محال لأنّه لا يرجع إلى الألف واللام اللتين في معنى «الذي» شيء.
فيقولون: نريدها، ونحن نحذفها.