فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 1290

ولو قلت: «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد» ، كنت قد فصلت بين «الكحل» وما هو له بما ليس من الكلام، ووضعته في غير موضعه. فإن أخّرت «الكحل» ، فقلت: «ما رأيت رجلا أحسن في عينه منه في عين زيد الكحل» ، وأنت تقدّر أنّ «أحسن» هو الابتداء، كان خطأ لما قدّمت من ضمير «الكحل» قبل ذكره.

وإن قدّرت أن يكون «الكحل» هو الابتداء، فجيّد بالغ، وتأخيره كتقديمه. فكأنّك قلت: «ما رأيت رجلا الكحل في عينه أحسن منه في عين زيد» .

وكذلك لو قلت: «ما من أيّام أحبّ إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجّة» ، كان هو الوجه إلّا أن تقدّم، فتقول: «ما من أيّام الصوم أحبّ إلى الله فيها منه في عشر ذي الحجّة» ، أو تؤخّر «الصوم» ، ومعناه التقديم، فيكون كتأخيرك «الكحل» في المسألة الأولى.

وتقول: «زيد أفضل منه عبد الله» و «رأيت زيدا أفضل منه عبد الله» . أردت: رأيت زيدا عبد الله أفضل منه، فتجعله ابتداء وخبرا في موضع المفعول الثاني.

وأمّا قولهم: «مررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون» ، و «مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون» .

فهذا على إضمار «إذ كان» ، و «إذا كان» ، واحتمل الضمير لأنّ المعنى يدلّ عليه.

والتقدير: مررت برجل خير منك إذا كان خير ما يكون إذا كنت خير ما تكون.

ومثل هذا قولك: «هذا بسرا أطيب منه تمرا» ، فإن أو مأت إليه وهو «بسر» ، تريد: هذا إذ صار بسرا أطيب منه إذا صار تمرا، وإن أو مأت إليه وهو «تمر» ، قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، أي هذا إذ كان بسرا أطيب منه إذ صار تمرا، فإنّما على هذا يوجّه لأنّ الانتقال فيه موجود.

فإن أومأت إلى «عنب» ، قلت: «هذا عنب أطيب منه بسر» ، ولم يجز إلّا الرفع لأنّه لا يتنقّل فتقول: «هذا عنب أطيب منه بسر» ، تريد: هذا عنب البسر أطيب منه.

فأمّا هذا البيت فينشد على ضروب [من الكامل] :

[335] والحرب أوّل ما تكون فتيّة ... تسعى ببزتها لكلّ جهول

منهم من ينشد: «الحرب أوّل ما تكون فتيّة» يجعل «أول» ابتداء ثانيا، ويجعل الحال يسدّ مسدّ الخبر وهو «فتيّة» ، فيكون هذا كقولك: «الأمير أخطب ما يكون قائما» ، وقد بيّنّا

[335] التخريج: البيت لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص 154وأمالي ابن الحاجب 2/ 666 وشرح أبيات سيبويه 1/ 293، 2/ 178والكتاب 1/ 401، 402ولسان العرب 8/ 64 (خدع) ولامرىء القيس في ملحق ديوانه ص 353.

اللغة: فتيّة: تصغير فتاة. بزّتها: ثوبها، وبكسر الباء: هيئتها. الجهول: الطائش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت