ومن الأئمة الأعلام، الذين كان لهم قدم صدق في هذا المقام، شيخ الإسلام أحمد ابن عبدالحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي المولود سنة 661 هـ والمتوفى سنة 728 هـ، فقد دعا إلى دين الله، وقارع خصومه بالقلم واللسان والسنان، فكان بحق من المجددين لهذا الدين، وممن جمع خصالًا لا تكاد تجتمع في شخص واحد، فرحمه الله رحمة واسعة، ورفع درجاته في عليين.
وقد ألف وكتب -رحمه الله- في فنون شتى، لا سيما فيما يتعلق بتقرير العقيدة، والرد على أهل البدع بشتى أصنافهم وفرقهم، فسطر القواعد، والضوابط، والمسائل، والأصول، وكشف عوار المبطلين والزائغين الذين زخرفوا مقالاتهم، وموهوا بمصطلحاتهم وشبهاتهم، فأضحت كتبه -رحمه الله- مرجعًا لطلاب الحق، وموردًا عذبًا ينهل منه من يريد السير على نهج السلف الصالح.
وإن من أهم مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- الرسالة التدمرية، لاشتمالها على خلاصة كثير من القضايا والمسائل التي تحدث عنها في كثير من كتبه الأخرى، لا سيما فيما يتعلق بتقرير منهج السلف الصالح في إثبات الأسماء والصفات والرد على المخالفين لهم في هذا الباب، وكذا بعض مسائل الشرع والقدر، فقد عرض شيخ الإسلام لهذا كله بأسلوب مركز، وعبارات محكمة ومختصرة حوت كثيرًا من المقاصد التي بثها الشيخ في كتبه الكثيرة.
لذلك جاءت بعض عبارات هذه الرسالة وجملها مجملة وغامضة على كثير من طلبة العلم، تحتاج إلى من يوضحها، ويحل مشكلها.
وقد اهتم بعض العلماء المعاصرين بشرحها والإفصاح عن مقاصدها [1] ، وكان من أول شروحها وأفضلها الشرح المسمى بـ"التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية"للشيخ فالح بن مهدي آل مهدي الدوسري -رحمه الله- المتوفى عام 1392 هـ وهو شرح مختصر قام بتأليفه لما أسند إليه في كلية العلوم الشرعية تدريس"الرسالة التدمرية"فلاحظ أنها في
(1) انظر الدليل إلى المتون العلمية للشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم القاسم ص 216 - 218.