فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 536

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ(101)}

فليس المراد بالنهي عن السؤال في الآية الكريمة الإلزام وطلب الكف، وإنما أريد به النصح والإرشاد، وقد جاء بصيغة النهي؛ رغبةً في الاستجابة والامتثال، ومنه قول أبي العلاء:

ولا تجلس إلى أهل الدنايا ... فإن خلائق السفهاء تعدي

فهو ينصح مخاطبه ويرشده إلى الابتعاد عن السفهاء، وأهل الدنايا. قد عبر بصيغة النهي؛ لبيان رغبته وحرصه على أن يمتثل المخاطب ويستجيب لنصحه وإرشاده.

ويأتي النهي كذلك للحث على الفعل: كما في قول الخنساء - وقد مضى:

أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟

فهي تحث عينيها على البكاء، وأن تجودَا بالدمع وألا تبخلَا به؛ فإنهما تبكيان صخر الندى. فالتعبير بالأمر والنهي في هذا المقام يظهر شدة حزنها، ورغبتها القوية في أن يتحقق ما تريده، وتفيض عيناها بالبكاء؛ وفاءً لحق هذا المقام.

ويأتي النهي كذلك ليفيد معنى التمني: كما في قول الشاعر:

يا ليل طُل يا نوم زل ... يا صبح قف لا تطلع

وهو يتمنى أن يمتد الليل ويطول وألا يطلع النهار؛ وذلك حتى يطول اجتماعه بحبيبته والتحدث إليها.

ويأتي كذلك ليفيد التحقير والإهانة: كما في قوله تعالى: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} (المؤمنون: 108) . فالأمر والنهي في الآية الكريمة يحملان معنى الإهانة والتحقير لهؤلاء الذين غَلبت عليهم شقوتهم في الدنيا، وكانوا قومًا ضالين، ثم جاءوا يوم القيامة يتمنون الخروج من جهنم: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} (المؤمنون: 107) وكانت تلك الإهانة: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} .

وليفيد أيضًا التوبيخ: كما في قول أبي الأسود الدؤولي:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم

فالمراد بأسلوب النهي لا تنه، توبيخ من ينهى الناس عن الشر والسوء ولا ينتهي هو عنه.

ومنه: قول الآخر:

لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

ويأتي النهي كذلك لتحقيق معنى التهديد: كما في قول الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (التوبة:65، 66) فليس المراد نهيهم عن الاعتذار والتوبة، وإنما المراد التهديد والتحذير حتى يقلعوا عن غيهم وعنادهم، ويسلكوا مسلك الحق والهدى.

وليفيد كذلك معنى التيئيس: كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التحريم: 7) . فلا معنى لنهيهم عن الاعتزال في ذلك اليوم، وإنما هو التيئيس، وإعلامهم أنه لن يُقبل منهم ولن يلتفت إليهم، فليس أمامهم إلا الجزاء على كفرهم وضلالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت