ففي إعادة ذكر المسند إليه زيادة تقرير وإيضاح، وإبراز لمكانة هؤلاء المؤمنين الذين آمنوا بالغيب وأقاموا الصلاة وأيقنوا بالدار الآخرة.
من هنا نعلم أن ذكر المسند إليه كما يكون لزيادة إيضاحه وتقريره في نفسه، يكون كذلك لإيضاح الخبر عنه وتقرير الحكم عليه، وتأكيد المعاني المنسوبة إليه.
وقد يجتمع هذان الغرضان لذكر المسند إليه في كلام واحد كما تراه مثلًا في قول عمرو بن كلثوم:
قد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا العاصبون إذا أطعنا ... وأنا الغانمون إذا عصينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أوتينا
وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا
حيث تجده قد ذكر المسند إليه وكرره، والسر في ذلك هو تقرير ما أخبر به عن قومه، وتأكيد المعاني المنسوبة إليه في الوقت ذاته تجد للذكر سرًّا آخرَ يتصل بالمسند إليه نفسه وهو زيادة إيضاحه وتقريره؛ تأكيدًا لذات قومه وإبرازًا لهذه الذات في مواجهة الأعداء الذين توهموا في نظر عمرو بن كلثوم أن قومه قد أضعفتهم الحروب وأفنتهم المعارك، كما نفهم من قوله:
ألا يحسب الأعداء أنَّا ... تضعضعنا وأنا قد فنينا
ترانا بارزين وكل حي ... قد أخذوا مخافتنا قرينا
ومن هذا القبيل قول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وإن صخرًا لكافينا وسيدنا ... وإن صخرًا إذا نشت لنحار
وإنا صخر لتأتم الهداة به ... كأنه علَم في رأسه نار
حيث نجد المسند إليه وهو صخر قد ذكر وتكرر لزيادة إيضاحه وتقريره؛ تجاوبًا مع ما تحسه نحو أخيها من شدة التعلق به، والذي يجعل من ذكره اسمه وتكراره شيئًا حبيبًا إلى نفسها، ووسيلةً من وسائل السلوى وتخفيف الآلام، كما نجد لذكر المسند إليه هنا سرًّا آخرَ يتمثل في تقرير المعاني التي نسبتها إليه، وتأكيد الأخبار التي أخبرت بها عنه.