فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 536

{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ(60)}

حيث قصر جزاء الإحسان على الإحسان قصر موصوف على صفة، وطريقه هو النفي والاستثناء؛ لأن الاستفهام بمعنى النفي، وتقول: لا تفعل إلا الخير، لا تصاحب إلا الوفي، لا تعتمد إلا على الله، فتقصر الفعل على الخير والمصاحبة على الوفي والاعتماد على الله، وطريق القصر - كما ترى - هو النفي والاستثناء، والمقصور عليه في طريق النفي والاستثناء هو المستثنى؛ أي الواقع بعد أداة الاستثناء، سواء تقدم أو تأخر، تقول: ما جاء إلا زيد فتقصر المجيء على زيد، ويقول زهير:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم

فقد قصر الحرب على الذي علموه وذاقوه من ويلاتها قصر موصوف على صفة، ويقول المتنبي:

لا يدرك المجد إلا سيدٌ فطن ... لما يشق على السادات فعّال

حيث قصر إدراك المجد على السيد الفطن، الذي يستطيع إدراك ما يشق على السادة الكرماء، وتقول: لا أختار الوفي إلا منكم، ولا أختار منكم إلا الوفي، فتفيد بالأول قصر اختيارك الوفي على كونه منهم، ففيه مدح لهم وتنويه بشأنهم، وأن من أراد الوفي فعليه بالاتجاه إليهم فهم جميعًا أوفياء، وتفيد بالثاني قصر اختيارك منهم على الوفي، فهذا يعني أن فيهم الوفي وغير الوفي، فأنت تختار الوفي وتترك غيره، ولا يخفى عليك بعد ما بين القولين والأدخل منهما في باب القصر.

(فائدة)

وقد يأتي الاستفهام بمعنى النفي، كما في قول الله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60) والمعنى: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، تلك حقيقة مقررة، لا يُعارض فيها عاقل، ولكن فرق بين الدلالة عليها بالاستفهام والدلالة عليها بطريق النفي المعهود؛ إن في الاستفهام تحريكًا للفكر وتنبيهًا للعقل وحثًّا على النظر والتأمل، وهذا هو الفرق بين النفي الصريح وبين النفي عن طريق الاستفهام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت