ويتجلى مثل هذه الصورة من المجاز في قول الله تعالى على لسان نوح - عليه السلام - يدعو على قومه، وقد أعنتوه في الدعوة: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} (نوح: 26، 27) .
ومن ينظر إلى هذه الدعوة ينعكس على مرآة بصيرته دخيلة قوم نوح، وقد لقى - عليه السلام - من المشقة والعنت منهم ما لاقى، ففاضت بهذا النسق التعبيري الذي يحمل في طياته المجاز الموحي بحالته، فقد بلغ به الضيق حدًا جعله يتصور أن هؤلاء المناهضين للدعوة لا يمكن أن يسمعوا لصوت الحق، وأن أولادهم إن ولدوا لا ينتظر منهم الاستماع إليه وأنهم سيكونون كفارًا، ولشدة يقينه بما سيكونون عليه في المستقبل اعتبرهم كفارًا منذ ولادتهم، ولو عبر عن هذا المعنى بلفظه الحقيقي لقيل: ولم يلدوا إلا من سيكون فاجرا كفارًا، لكن التعبير على نسق الحقيقة يكون مغسولًا؛ لأنه لا يوحي بمراده ولا بما يعتمل في نفسه بمثل هذه القوى، ويقوي هذا الإيحاء إفراغ المجاز في قالب القصر.