فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 536

{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ(18)}

ومن شواهد إيجاز القصر أيضًا قول الله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} (غافر: 18) أي: لا شفاعة ولا طاعة، فليس المراد نفي طاعة الشفيع بمعنى أن الشفيع يوجد ولكن لا يطاع، بل المراد أنه لا شفاعة أصلًا، وانظر إلى قول الشريف الرضي:

مالوا إلى شعب الرحال وأسندوا ...

شعب الرحال: خشبها، إشارة إلى ركوبهم عليها ورحيلهم للقتال. أي للطعان إلى قلوب تخفق؛ أي تضطرب لفراق الأحبة، فإنه أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في أثناء وصفهم بالغرام، فعبّر عن ذلك بقوله:

.وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق

وإلى قول أبي تمام:

وظلمتَ نفسك طالبًا إنصافها ... فعجبتُ من مظلومة لم تظلم

أراد أكرهتها على تحمل الصعاب والمشاق، فأنصفتها بذلك؛ إذ أوجبت لها مجدًا عريقًا وذكرًا حسنًا، فصارت بهذا الصنيع مظلومةً لم تظلم، ومن ذلك قول الآخر:

وإن هو لم يحمل عن النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل

فقد جمع في البيت الصفات الحميدة من شجاعة وسماحة ومروءة ونجدة وإغاثة ملهوف وغير ذلك؛ لأن هذه الصفات من ضيم النفس؛ إذ تجد بحملها مشقة وعناء، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أوتي جوامع الكلم، والكلام الجامع هو الذي تتكاثر معانيه وتقل ألفاظه، ومن جوامع كلمه - عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار ) ) (( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) ) (( إن الله لا يمل حتى تملوا ) ) (( المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد ) )فتلك ألفاظ قليلة حوت معاني كثيرة، يطول بك القول لوصفها والإحاطة بها. ومن إيجاز الكُتاب ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون بشأن رجل يهمه أمرَه إذ قال في كتابه:"كتابي هذا كتاب واثق لمن كتب إليه، معنيّ بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله". ولا يخفى عليك في كل ما ذكرنا ما تضمنته هذه العبارات الوجيزة، من معان غزيرة، صيغت في عبارات قليلة وألفاظ موجزة، وهذا هو شأن إيجاز القِصَر، الذي يجري مجرى الأمثال في الجمع بين الإيجاز والجمال والقوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت