وتأمل مع ما ذكرنا قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
فإنك تجد: أن الجار والمجرور قد أُخِّر على شبه الفعل في قوله: {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} ، وقدم عليه في قوله: {عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ؛ وذلك، لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم دون إفادة اختصاصهم بتلك الشهادة، وفي الثاني المراد إفادة اختصاصهم بكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهيدًا عليهم وليس مجرد إثبات شهادتهم.
يقول الزمخشري في (الكشاف) : وروي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيشهدون، فتقول الأمم: مِن أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتَى بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (النساء: 41) . وقيل: المعنى: لتكونوا شهداءَ على الناس في الدنيا بما لا يصلح إلا بشهادة العدول الأخيار: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} يزكيكم ويعلم بعدالتكم.
فإن قلتَ: لِمَ أخرت صلة الشهادة أولًا، وقدمت آخرًا؟
قلت: لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهيدًا عليهم.