وخذ قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} (فاطر: 22، 23) فلما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمنى هداية قومه، حريصًا - بل شديد الحرص - على قبولهم الهداية نُزّل - عليه الصلاة والسلام - منزلة من يعتقد أنه يجمع بين صفتي الإنذار والقدرة على خلق الهداية في النفوس، التي أصرت على الضلال والمكابرة، فجاء أسلوب القصر: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} محددًا مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاصرًا إياه على صفة الإنذار لا يتعداها إلى القدرة إلى إسماع من في القبور.
ويُشترط في قصر الموصوف على الصفة إفرادًا: عدم تنافي الوصفين - بالطبع - حتى يتصور اجتماعهما لموصوف واحد في ذهن المخاطب، فلا يقال في قولك: محمد أبيض لا أسود، إنه قصر إفراد؛ إذ لا يتصور أن يعتقد معتقد أن محمدًا يتصف بالبياض والسواد معًا، كما اشترط الخطيب القزويني في قصر الموصوف على الصفة قلبًا تنافي الصفتين حتى يكون إثبات إحداهما مشعرًا بانتفاء الأخرى، كقولك: محمدٌ طويل لا قصير، زيد ذكي لا غبي، عمرو شجاع لا جبان، حاتم كريم لا بخيل، ورد عليه بأن قصر القلب يرد كثيرًا في الصفات غير المتنافية، كما مر بنا في كلام عبد القاهر من أن المنفي من الصفات ما كان له تعلقٌ، وهو من المقصور عليه بسبب، فلا وجه إذن لهذا الاشتراط.
(فائدة)
ومن شواهد قصر الموصوف على الصفة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} (فاطر: 22، 23) حيث قصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على صفة الإنذار، لا يتجاوزها إلى أن يملك تحويل القلوب المشركة عما هي عليه من العناد والمكابرة، ومنه قوله أيضًا - صلى الله عليه وسلم: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله - عز وجل - يعطي ) )فقد قالوا في معناه: كان بعض الصحابة يسمع الحديث ولا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخرون منهم فيستنبطون منه المسائل الكثيرة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - حين يحدّثهم يكون كلامه مقسومًا بينهم، شركة بين الجميع، أما الفهم والاستنباط فهو من عطاء الرحمن، ففي الحديث قصرٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - على كونه قاسمًا لا يتجاوز تلك الصفة إلى الإعطاء، فالإعطاء هو تحقيق الفهم من الله تعالى، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - لفرط اعتقادهم في هدايته - عليه الصلاة والسلام - رأوا أنه يقسّم ويعطي؛ ولذا بيّن لهم - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يملك إلا القسْم وأما الإعطاء فمن الله تعالى، فالقصر إذن قصر موصوف على صفة قصرًا إضافيًا إفراديًّا.